من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الثلاثاء، يونيو 27، 2017

سؤال مشروع في ليلة مشبوهة





من قال أن "ولاد الناس" لا يذهبون الى البارات والأماكن المشبوهة؟
إنهم كُثُر،  ولياليهم تعج بصخب خانق بالكاد أطيقه، فهم أكثر استعلاءً وحُمقًا من غيرهم، قد يكون ميزتهم الوحيدة أن لحمهم يفرز ذات التعرق منعجنًا بعطورهم الباهظة..
سنوات وأنا اتعامل بحذر مع هؤلاء الحمقى المترفين، علمتني المهنة كيف أُدير مشاعري مع نكاتهم السخيفة واستعلائهم المنفر، وتعلمتُ أيضًا كيف أحب أموالهم..

كل ليلة، نتصيد دراويش المتعة ومجاذيب الشهوات لننحر عليائهم بأموالهم، ثم يخرجون فرحين واعدين بالعودة غدًا ..
ذات ليلة ونحن نوزع فيما بيننا زبائن المكان، اخترتُ وجهًا جديدًا،النظارة الطبية التي كان يرتديها توحي بأنه من "ولاد الناس" أصحاب الفكر ولكنه وجد طريقه مؤخرًا للانحراف .. أو ربما خُيّلَ لي ذلك!!
فما أن جلست فوق الطاولة بغنج المحترفات، حتى أمسك بحزم يدي واجلسني إلى جواره على الكرسى .. ثم تعامل بثقة وهدوء مع طقوس المكان..
ظل صامتًا لفترة طويلة، ولكن عيناه كانت تتفحص كل البنات الموجودات وكأنه يبحث عن ملامح أحداهن على الرغم من جلوسي إلى جواره .. حتى استقر أخيرًا وصوّب عينيه باتجاه ملامحي، نظر إليّ نظرة متكلمة مفادها: "حسنًا أيتها الحسناء، لا بأس بكِ، دعينا نحاول"، كأنه أراد اخباري بأنني لم أختاره، وإنما هو من قرر واختارني.
كنتُ مخطئة بشأن "يوسف"وهيئته التي أوحت لي بأنه جديد على تلك الأجواء الصاخبة، أعترف بأني لم اصادف خلال فترة عملي في تلك الأماكن الشوهاء شخصية كشخصيته، كنت كتلميذة في حضرته..
ظل يتحدث كثيرًا، يحكي الحكايا ويسرد قصصًا من الأدب العالمي..
هو يحكي ، وأنا استمع، واستمتع..
ثلاث ساعات مرت علينا دون أن انتبه أو أحسب وقت مجالستي له، رشاقته في السرد سرقتني من صخب ذاتي وصخب المكان..
رجوته أن نهرب إلى مكان هاديء ليزداد استمتاعي أكثر بحكاياته، أقول "رجوته" حتى لا يظن مرة أخرى أن الانتقال الى مكان آخر هو اختياري، بل كان تفضلًا منه.
ذهبنا إلى منزلي، ليطول بيننا الحديث والحكايات والنوادر..
ثم سألته: لماذا جئت معي إلى هنا؟
قال: أبحث عن اجابة لسؤال..
(لم يدعني استفسر عن شيء.. بدأ حديثه وفقط)
ليس هذا المكان الوحيد الذي ازوره خلال الشهور السابقة، كنتُ أتنقل من بار إلى آخر، أقمت علاقات عديدة مع فتيات الهوى لعلّي أجد إجابة عن سؤالي الذي حار عقلي وقلبي وخبراتي في إيجاده:

لماذا زوجتي التي أحببتها بجنون لا ترغبني؟
طوال الوقت وأنا أشعر بمعاشرة جسد أصم بلا روح !!
وحتى حين أُقبلّها تتعمد اغلاق فاها!!
هل رغبتي تلك تشعرها بالإهانة؟ أي ربما كانت تشعر بأنها مجرد وسيلة لإفراغ شهوة !!  ولكنني أحبها بالفعل .. لا اريدها أن تشعر بالمهانة لمجرد رغبتي المستمرة فيها..
وهل كل النساء هكذا؟ أم أن زوجتي مصابة بعجز جنسي؟
ذهب إلى أطباء متخصصين لربما أكون مخطئًا في تصرفاتي وتعاملاتي معها .. نفذت كل ملاحظاتهم التي قد تساعدني على كسب ود محبوبتي .. على الرغم أن جميع نصائحهم بالنسبة لي كانت بديهيات وأقوم بها بالفعل.. ولكن لا بأس!
هي انسانة هادئة وجميلة ومخلصة ومُحِبة لبيتنا  ولأطفالنا الثلاثة ، تهتم بنا جميعًا وبكل أمورنا الحياتية دون تقصير أو تأفف، ومع ذلك لم أشعر يومًا أنها أرادت فراشي!!
لا أُنكر أني حين أتودد إليها تكون مطيعة، ولكن كطاعة الأسير المستسلم، استسلام مخزٍ لايليق بعشق يسكنني ويرغب مشاركتها دون سواها.


مرة أخرى .. لم تكن وصفات الأطباء مثمرة كما ينبغي ..
فخطر في بالي أن أبحث عن إجابة لسؤالي في أحضان الركلام صاحبات الخبرة ..حتى إن اقتربت من فاه إحداهن لأُقبلّها أجدها وقد أغلقته،تمامًا كما تفعل زوجتي ..
ويضيع إجابة السؤال .. لأعود في اليوم التالي أبحث من جديد مع فتاة أخرى ومكان آخر!!

ثم سألني فجأة: ساعات طويلة وأنتِ تستمعين لحديثي .. أشعر أنك مختلفة .. ويبدو عليكِ الذكاء .. فهل لديك إجابة لسؤالي ؟ هل لو قَبّلتُكِ تغلقين فاهك؟.
قلت: تخاف التجربة، فتخيب أمالك مرةأخرى؟!
أجاب بإماءة من رأسه تفيد بـــــــــــــــ"نعم"وقد استقرت الدموع في عينيه..
اقتربتُ منه وطوقت رأسه بذراعيّ .. رُحتُ أتحسس وجهه بأنفاسي، ثم التقينا في جدال طويل من القُبَل ..
في تلك اللحظة، تجلت الصورة ..
فأنا الصامتة طوال الليل مع "يوسف" وحكاياته .. وجدتُ الفرصة أخيرًا كي أفتح فاهي.
أما "يوسف" المتكلم .. فكان في حالة توحد مع أفكاره وروحه ..
لم يحدث بيننا أي شيء آخر ..
حين أفاق من تأملاته تلك .. اكتشف بأن الوقت أصبح متأخرًا جدًا جدًا .. عانقني بشدة وهو يشكرني .. ثم همّ بالرحيل بعد أن ترك المال على الطاولة..
استوقفته :
سوف لن آراك مرة أخرى .. ولكن قبل رحيلك أريد أن أجيبك إجابة مباشرة عن سؤالك.
قال: حقًا!!
قلت:
من أسرار مهنتنا أن نتجنب القبلات .. حتى لا نقع في شَرَكِ الحب.
وزوجتك ليست مريضة يايوسف .. بل هي لم تحبك!
عليك أن تبدأ من صياغة سؤالك بشكل جديد ومختلف، لتكتشف لماذا تحبها كل هذا الحب، وهي زاهدة في حبك..
لا تحاول استكشاف مشاعر زوجتك مع غيرها .. استكشف مشاعرها معها فحسب ..

والآن .. ارحل .. ارحل ولا تعد هنا مرة أخرى، بل لا تعد إلى أي مكان آخر، فقط اذهب الى زوجتك وأخبرها بصدق حبك لها وبرغبتك في بداية مختلفة معها كي تحبك بما يليق بك وبها.




الأحد، فبراير 28، 2016

البعض يفضلونها سبايسي ،،




(1)
هذا اللون أم ذاك ؟
أرفع شعري أم اتركه منساباً على ظهري فيلامس خاصرتي التي اشتاقت لطوق ساعديه ؟
لا .. لن أجعل له شريكاً في خاصرتي.
"مؤيد" يكره الألوان الداكنة .. سأجعل ألواني فرحة كبهجة لقاءنا بعد الغياب .
شهر كامل يا مؤيد لم تتواصل معي .. آلا تشتاق إليّ ؟ هِنتُ عليك تتركني اضاجع الوحدة طوال الوقت ؟!
ولكن،،
سامحتك .. حسبي بأنك ها هنا الآن ..

حسبي بأنك ها هنا الآن 
حسبي بأنك ها هنا الآن
(وصارت تردد .. جملتها الأخيرة .. وفي أذنيها ألحان قصيدة نزار قباني حين غناها كاظم الساهر ) 

(2)
قلبي تعلوه دقاته .. لم نتقابل بعد  وهاأنا ذا أتصبب عرقاً ، وكأنني طفل خائب  سَيَمْثُل أمام معلمته ، فهو يعلم أن ثَمّة عقاب سوف يلحق به لفشله في الاختبار .
لا مفر !!
أو ربما لا أعلم إن كنت خائفاً من "شرين" أم عليها !!

(3)
في أحد  مقاهي منطقة الزمالك – المكان الذي شَهِدَ نَبْض أول لحظة يقول فيها أحبكِ –  تقابلا بالعناق كما اعتادا طوال علاقتهما في ستة أشهر .
ولكن العناق طال  بينهما ، ذلك لأن الغياب امتد لثلاثين يوماً ..
ولما طال العناق .. دمعت عيناها حنيناً وشغفاً.

(4)
مؤيد: ماذا تطلبين ؟ ليمون بالنعناع كما كنتِ دوماً تطلبين ؟
شرين: لم يَفُتكَ شيئاً على ما أظن .
مؤيد: بالطبع .. سأطلب لكِ ليمون بالنعناع .. وفنجان قهوة لي .
شرين: قهوة !!!!!!
أول مرة منذ عرفتك تطلب القهوة يا مؤيد! دائمًا كنت تتعاطى الشاي.
مؤيد: هذا صحيح ..
لكن اليوم مختلف .. اليوم سأمنحك فرصة قراءة فنجاني .. لطالما تمنيتي ذلك .
شرين: وأنت كنت ترفض بحجة شراهتك للشاي أكثر من أي مشروب آخر.
مؤيد: ألم أقل لكِ بأن اليوم مختلف !


(5)
وحتى تُقَدَّم القهوة على طاولتهما .. كان الكلام بينهما متوتراً .. جافًا على نفس شرين .. لا شيء واضح حتى الآن .. لم تستطع أن تميز إن كان الحديث الدائر بينهما حديث عشاق أم حديث فراق .
بالنسبة إليها كل شيء ضبابي .. ولم تسعفها طاقتها الروحانية في معرفة الحقيقة.
تناولتْ فنجان مؤيد .. ثم قَلَبَتْ الفنجان على الطبق كما تفعل العرّافات، وظلتْ في صمت مدة دقيقة واحدة وهي تتأمل الفنجان المقلوب .
أكانت خائفة من محتواه ؟ ربما .. !!
أو ربما كانت متوجسة من شيء ما .. لقد كانت المرة الأولى التي يشرب فيها مؤيد القهوة، بل ويطلب منها قراءة الطالع!!

(6)
مؤيد: شرين .. ألن تقرأي الفنجان ؟
آلا تريدين أجوبة على جميع أسئلتك وهواجسك ..
هيا .. مُدي يدك وتناولي كل أسراري .
شرين: نعم .. بالطبع .

(7)
شرين تقرأ الفنجان وتعيده إلى مكانه مرة أخرى .
تسحب حقيبتها من جوارها .. وتطأطيء رأسها في أسىً ، ثم تنسحب من أمام مؤيد بهدوء ومن دون كلمة واحدة .. حتى تخرج من المقهى وتغيب عن الأنظار.

(8)
مؤيد:
اللعنة!! ، لِمَ  لمْ تصرخ؟ ، لِمَ لمْ تسبني وتلعنني ؟؟
ليّتها قالت أني أحقر من قابَلَتْ، ليّتها رمتني بحقيبتها وأسالت دمي،،
لماذا لم تعطني فرصة تسميع حوارٍ من الدفاعات كنت قد جهزته منذ شهر؟
لو تعلم أني أكره ملائكتيها، وأمقت برائتها !!
لو تعلم أني ابتعدت عنها لتظل محتفظة بكامل نقاء روحها وريحتها الطيبة .
بعمري لم يكن ينفعني سوى تلك الشيطانة (شذى)
يااال جنونك يا شذى ..
لو كنتِ بدلاً من شرين لصرتِ تصرخين وتملأين الدنيا صياحاً .. ربما قتلتني أمام المارة وتوضأتي بدمائي .
هذا الجنون الذي يطلق شرارهُ من عينيك هو الذي يربطني بك حتى الآن ، مهما ابتعدنا .. ومهما حاولتُ اعتناق مختلف النساء على مختلف أشكالهن وطبائعهن، تبقين أنتِ يا شذى مستوطنة في زوايا النفس ودهاليز الروح.


(9)
ثلاثون يومًا أخرى وشرين حبيسة غرفتها، تمضغ ألمها في صمت..
حاولتْ مرارًا وتكراراً أن تحذف هذا المؤيد من قاموسها .. أن تنساه بكل ما سببه لها من ألم وقهر ..
فَشِلَتْ .. 
 والإجابة .. لأنها أحبته  .


(10)
سارة: يكفي هذا يا شرين .. ألم يحن الوقت لتخرجي من هذا الاكتئاب الذي يكاد يبتلعك .. صدقيني يا صديقتي هو الخاسر  .
شرين: مؤيد حوّلني إلى محطة يا سارة، كنتُ بالنسبة إليه مجرد استراحة سيغادرها في وقت لاحق طال الزمن أو قصر .
في رأيك الآن، من الخاسر؟
سارة: هذا المؤيد مشوه نفسيًا ، كان من الأفضل لكِ أن تسجدي إلى الله شاكرة لأنه لم يورطك في زواج مع هذا الخَرِفْ.
ياشرين .. أنتِ لا تشبهينه أبداً ، هو بالكاد يشبه شذى، تلك هي مرآته وهويته.
شرين: كنتُ أعلم ذائقته في النساء ، وأتوق للحظة نجتمع فيها سويًا فأُعلّمَهُ أنني أنا كل النساء .
 قد لا أبدو "سبياسي" مثل شذى، قد لا أبدو متنمرة كطلتها ، أو  ربما لا أملك العنفوانية كالتي تحملها في صوتها ..
ولكني أمتلك صدق الحب .. وأحمل له في خيالي أشياء أكثر  مما يراه في شذى.
هذا المؤيد يا سارة جعلني يوماً أحلم بأن أكون عروسه في ثوب زفاف يحمل طابع الغجر ..
يال حماقتي !! كنتُ أحلم لأجله أن أكون غجرية في ثوب زفاف ،
كنتُ أريده أن يزيح عني ستائر أفكاره بأنني الملائكية والبريئة والوديعة وكل المسميات التي يغزرها في كلامه كالخنجر في لحمي.
أردته أن يزيح عني عاديتي لتتجلى له أنوثتي البرية التي غوّته بها غيري .
ولكن يبدو  أن البعض يفضلونها سبايسي منذ البداية .
سارة ،هل تظنين أنه سيعود يوماً ؟؟
آآه لو يعلم أني سأنتظره مهما طال الزمن .

سارة: أنتِ تثيرين أعصابي ببكائك وندبك على هذا المؤيد ..
أحضري لي من فضلك  ورقة وقلماً .
شرين: لماذا ؟؟


(11)
وضعت سارة ورقة صغيرة بين يدي شرين مكتوبة بخط واضح ومحفور ، ثم رحلت بعد أن كتبت:
" إن لم تقبلي بوجود المشوهين من حولك، فاذهبي إلى الجحيم يا صديقتي العزيزة".





الثلاثاء، ديسمبر 22، 2015

السر في بوسة..




تعج قريتنا اليوم بالزحام الصاخب، كحال كل ليلة يسبق عرس أحد من أفرادها، واليوم هو يوم حنتي وليلة عُرسي.
أعتبر نفسي من المناضلات القليلات جداً، اللاتي حاربن من أجل التعليم الجامعي، فأغلب بنات قريتنا لم يتخطين حاجز المرحلة الاعدادية، فجميع الأهالي هُنا يسعين لزواج الفتيات في سن صغيرة .. حتى من تناضل منهن وتكمل تعليمها الثانوي ، تُكمله وهي في بيت زوجها – إن كان شخصاً واعيًا – وفي حالات نادرة تُكمل تعليمها الجامعي – إن كان شخصاً متحضراً-  وكل ذلك من أجل ألا يسبقها قطار  الزواج.
إلا أنا .. فأنا الوحيدة من بنات قريتي التي أصرت وتحدت كل الظروف من أجل اكمال تعليمها العالي أولاً.. ثم يأتي الزواج أخيراً .
هذا الاصرار  وهذا العند جعل الجميع ينفرون مني ويشبهون حالي بحال جدتي (صفية) .. تلك الجدة التي عاشت منبوذة ضمنيًا من جميع أهل قريتنا لأعوام طويلة.
*****
الجدة (صفية) تخطت عامها السبعين بخمسة أعوام .. ومازالت بالنسبة إليّ أكبر لغز يحتل عقلي وروحي.
تلك الجدة تزوجت خلال حياتها عشرة رجال !!
أنجبت (صفية) من زوجها الأول خمسة من الأبناء والبنات .. وتسعة آخرون من باقي الأزواج التسعة .
لا يهم تلك الأعداد من الأبناء .. فجدتي (صفية) كانت من عائلة ميسورة الحال وعريقة في قريتنا .. لكن المهم هنا، هو  هذا العدد من الأزواج ، الذي جعل من جدتي مثار جدل واستنفار من الجميع.
العجيب في الأمر! أن كل واحد من أزواجها لم يستمر معها لأكثر  من سنة فقط ثم يطلقها،  باستثناء الزوج الأول لذي رحل ولم يطلقها !
*****
الليلة ليلة حنتي .. وقريتنا تعمها الضجة والفوضى .. والجميع في فرح عارم.
أما عن جلستنا النسوية .. فالجميع يرقص ويغني .. وأنا في وسطهن أربط على يديّ القماش لتثبيت الحناء.
تأتي الجدة (صفية) .. وتمسك دفًا صغيراً وتغني بصوتها الرخيم:
" يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلاله
يـا هـنيّـه للّـي ينـولها
يـا هنـيّـه لـــه ...... "
كان الجميع يردد ورائها كالمسحورات ، فلم يرقص أحد انبهارًا بصوت جدتي.
تركتنا الجدة، وراحت تختلي بنفسها إلى غرفتها .. ولكن صوتها لم يتركني، كان هناك شيئًا ما في روحي يناديني ويدعوني أن أترك كل هذا الصخب ، وأن أختلي بجدتي لأول مرة منفردة تمامًا .
*****
طرقتُ بابها طرقات خفيفة بيديّ المربوطتين ، جاءني صوتها من وراء الباب:
أدخلي يا ماجدة.
ويلي!! كيف عَرِفَت جدتي أنني الطارق !!
فتحتُ الباب متعجبة، ولم أنطق بحرف ..
فبادرتني بالقول: "تعالي يا بتي .. تعالي اقعدي في ريحي.
كنت عارفة انك الوحيدة اللي حتيجي تتكلمي معاي، لأنك تشبهيني في كل شي يا ماجدة، وكأني زرعت فيكي روحي ورويتها وكبرتها، ويمكن جا الوقت اللي احكيلك فيه اسرارها".

قُلت: وأنا كمان يا ستي .. دايما كنت بحس ان  في حاجة في روحي جاعدة تخبرني اني مختلفة .. وكنت متأكدة إن الاختلاف ده جاي منك ومن روحك يا ستي .

قالت: اسألي يا بتي .. اسألي .. وأنا راح أجاوبك على كل حاجة .

قلت: ليه ستي اتجوزتي كل دول ؟ ليه دخلو حياتك ؟ وليه خرجوا منها بالطلاج ماعدا طبعا سيدي صالح الله يرحمه ؟

رفعت رأسها إلى الوراء ، واطْلَقًت آهه من تلك التي نسميها آهات الذكريات ..
قالت: "اتجوزت يا بتي سيدك (صالح) وأنا صغيرة يادوب بنت 14، كان راجل طيب وحنين، كان أول راجل يكتب على صفحتي البيضة أحلى كلام .. حبيته جوي يا بتي، وعشت معاه ع الحلوة والمرة ، معاه يا بتي معرفتش معنى الشكوى.
لغاية ما افتكره ربنا، وسابني وحدية .. اتجوزت بعده راجل ورا راجل، وخلفت منهم عمامك وعماتك، بس محدش كان بيعاملني كيف (صالح) ماكان بيعاملني، محدش عرف يملى مكانه، أو  عرف يمحي اللي كتبه على صفحتى البيضة" .

قلت: مش فاهمة ياستي .. أرجوكي وضحي أكتر !

قالت: ماتستغربيش يا بتي لو قلت لك إني كنت بطلب الطلاج لأن مفيش ولا راجل منهم كان (بيبوسني) كيف سيدك صالح ما كان بيعمل!

قاطعتها – وعلى وجهي كل علامات الدهشة بابتسامة شديدة البلاهة – : مفيش حد كان بيبوسك ! كيف يا ستي وانتي ليكي منهم كلهم عيال ؟!!

قالت –  أيضًا يعلو وجهها ابتسامة عريضة – : يخرب عقلك يا متعلمة !! يعني ماتعرفيش إن العيال بتيجي من غير بوس ؟!!
بصي يا بتي .. سيدك صالح علمني إن (البوس) أهم من انه ينام معايا عشان نجيب عيال وخلاص .. علمني إن (البوس) هو اللي بيحلي كل المرار اللي في دنيا .. وهو اللي بيصنع السُكنة والمودة بين الراجل ومرته.

قلت: يعني يا ستي تطلبي الطلاج  9 مرات عشان محدش بيبوسك ؟

قالت – كان الرد سريعًا كطلقة رصاص – : أومال أعيش كيف البهيمة اللي بيعشّروها وبس يا بتي ؟!!
لا طبعًا .. آني بني آدمة .. ولزمن أحس بالراجل اللي اعاشره .. مش أعيش معاه عيشة البهايم !
أيوا يا بتي .. أنا تحملت كلام كتير ، واشاعات مهينة .. عارفة ليه اشاعات ؟ لأني كنت برفض أنام مع الراجل اللي تجوزته .. كنت بحس انه غريب عني .. عايز يعريني ويغتصب جسمي وخلاص.
فيقوم المحروق يطلع عني اشاعات اني مرة باردة وماليش في الجواز!!
ومحدش فيهم فكر  في نفسه وسألها كيف بيعامل دبيحته..
لكن سيدك (صالح) لا .. كان راجل نضيف في نفسه ومشاعره .. كان بيعاملني كيف الأميرة .. كان يطلب ودي جَبْل ما يطلب جواري في السرير .. كان بيبوسني يا ماجدة ... ومفيش حد بعديه قرب من مكان بوسته لي .

اقتربت مني الجدة وطالبتني أن اقترب منها بالمثل .. ثم نظرت إلى عيني بقوة وتركيز وقالت:
"البوسة يا بتي كيف مفتاح الدرج اللي جنبك"

ثم قامت بحركة سينمائية بعينيها شديدة البراعة في دقتها وقالت:
"اللي يبوسك هنا – تنظر بالأعلى إلى شفاهي –
طوالي ينفتح الدرج – تنظر بالأسفل إلى ساقي – ".

*****
إلى هنا انتهى الحوار بيني وبين الجدة (صفية) ..
ثم تمددت بجسدها التعب على سريرها .
قمت من مكاني في حالة ذهول وأيضاً في حالة اشباع ذهني !
وحين هممت بالخروج من غرفتها .. قالت لي مودعة:

ربنا يكفيكي يا بتي شر  إهانة البدن  وعَوَّز الروح.



الخميس، نوفمبر 19، 2015

عشق الندى ،،







استيقظت اليوم على خبر أليم، هو وفاة صديقنا العزيز ونبض فرقتنا الموسيقية المتواضعة، كم هو مؤلم أن تخسر فجأة وبدون مقدمات أعز الاصدقاء دون كلمة وداع..
استبدلنا اسمه بلقب "الحكيم"، فهذا أنسب لشخصه ووقاره وهدوءه وقناعاته وروحه الحلوة التي تسيطر على أي مكان يتواجد به..
كان لابد أن استعد  كي اقدم واجب العزاء إلى زوجته وابناءه الصغار ..
ويلي من فقدانهم هذا الرجل العظيم وفقداننا هذه القيمة في حياتنا نحن أصدقاءه..

ولكن ماذا عنها ..
 اقصد صديقتنا ندى ؟
ندى هي المرأة التي أحبت حكيمنا في صمت كالنبلاء .. لم يكن يعرف أحد في فرقتنا عن هذا الأمر سواي .. وكنت أكتم سرها بالتأكيد ..

كانت ندى تفضل أن تحب الحكيم الى مالا نهاية ولا تعلن له أو لغيره انها تحبه !!
كانت تعلم مدى تعلقه بأسرته وأبناءه .. ولم تكن ابدًا لتسطو على حق ليس من حقها .. 

حتى أنا - صديقة عمرها-  لم اعرف انها تحبه لولا انها كانت تنازع الحُمّى وتتمتم باسمه .. لقد كانت في غيبوبة عشق لحظة أن نطقت وأعلنت أنه دائها ودواءها !

لم أفكر كثيرًا من أين أبدأ ..
 فورًا ركضتُ الى صديقتي المقربة .. أواسيها وأشد من أزرها ..

وياااا لهول مارأيت منك يا ندى !!
كانت هادئة .. تدخن في صمت سجارتها .. صدمني هذا الهدوء اللعين .. فهل من المعقول أنها لم تعلم حتى الآن بوفاة حكيمنا ؟؟

فجأة قامت من مقعدها وأحضرت حاسوبها المحمول .. وفتحت ايميلها الخاص .. وقالت لي : اقرأي أولًا ثم نتحدث .
انها رسالة من الحكيم إلى ندى قبيل وفاته بيوم واحد فقط .. بدت لي كأنها رسالة وداع !!

******

نص رسالته:

ندى،،
يا حلم العمر الذي أود اكتماله ..
أعلم يا عزيزتي ما كان يضمره قلبك وروحك لي ..
وأعلم أيضًا أن نبلك وانسانيتك كانا يمنعانك من التصريح أو حتى التلميح بأي شيء بإمكانه أن يهدد استقراري الأسري ..
ولكن ياندى حان دوري كي أهدم كل الأوثان التي ابعدتني عن حبك لسنوات طوال ..

أحبك ..
أقولها وأنا على يقين بها ..
أقولها وقد تعذبت بكتمانها اعوامًا..

ربما تتسائلين لماذا الآن يا حكيم؟
أقولها الآن  وليس غدًا وليس بعد الغد .. أقولها الآن أفضل من أظل في عذاب بها إلى الأبد .. الآن يا ندى قبل أن أرحل وهي مكتومة بين أضلعي .. فلن يسعها الكفن من بعد روحي .

أتعلمين يا حبيبتي .. كم من الليالي زرتني ؟!
أتعلمين كم مشينا على البحر ..
كم التقينا عند لحظات المغيب نعزف موسيقانا ونتأمل ترانيم هوانا .. ؟
أتعلمين أننا قررنا سويًا أن ننجب طفلاً .. كنت سأسميه (حكيم) هذا اللقب الذي منحتني إياه وصرتي تناديني به ..
قلت لك ليلتها إن كان طفلنا صبيًا سوف أسميه (حكيم) وإن كانت فتاه سأترك لك حرية اختيار اسمها يا حبيبتي ندى.
كنت أحلم ببيتنا معا .. كيف ستكون ألوانه .. كيف سنجلس سويًا .. أين سنضع الآتنا الموسيقية .. وكيف ستأتين بفنجان الشاي الذي أُدمن عليه كعطر أنفاسك ..

كنت أحلم بلحظات نشعل فيها سجائرها في ليالي الشتاء .. ونتدفأ بحضن بعضنا البعض .. أرمي همومي كلها فوق صدرك .. وأعيش اليقين بين أحضانك .
كنتُ أدوزن أوتار آلتي على حروف اسمك .. فتخرج معزوفاتي بهية شهية كثغرك البسام ..
ندى .. يا عمرًا صار حتميًا أن يكتمل
إن قُدر  لي البقاء حيًا .. فلتعلمي أنكِ رحلة عمري القادمة .. أنتِ لي يا ندى .. ولن أُفلتك أبدا.. وكيف أُفلت نبضي ؟!
حتى وان اضطررنا للهجرة بعيدًا عن كل الناس وعن كل شيء .. طالما أنتِ لديّ .. فأنا أمتلك الكل شيء..
أجل يا حبيبتي .. قد أتخيل حياتي دون أولادي .. ولكن دونك أنتِ لا حياة ..

أما إذا لم يقدر   لي القدير  عمرًا طويلًا .. فكوني على يقين يا حبيبتي أن المشهد الأخير في عمري سيكون على صدرك وبين أحضانك ..
هذا وعدي لك يا حبيبتي .. 
وعد .

*******

ياااالمفاجآت .. كان الحكيم يحب ندى في صمت ويعلم بحبها له !!
كتب لها رسالة وداع قبل أن يدُفن ويضيق كفنه بما حمله روحه لها ..
خرجت ندى عن صمتها وسألتني في هدوء وثقة ..
-         هل تثقين بكلام الحكيم ؟؟ هل يومًا قال شيئًا كاذبًا ؟؟
بالطبع لا .. الحكيم موثوق به .. فكيف يكذب ..
-         قال أنه سيموت بين أحضاني .. واليوم تعلنون وفاته !! ..
الحكيم لم يمت لأنه قال بأن آخر مشهد له سيكون على صدري ..
سأنتظره كما وعدني ..
أنا أيضًا أعده بأن رحيلي لابد أن يكون بين أحضانه لأحيا حياة جديدة لايملك زمامها سواه.

لقد مات الحكيم بين أحضان أخرى غير أحضان ندى ...
فكيف لعشق الندى أن يُسّلم بهكذا رحيل ؟!


******