من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الثلاثاء، ديسمبر 22، 2015

السر في بوسة..




تعج قريتنا اليوم بالزحام الصاخب، كحال كل ليلة يسبق عرس أحد من أفرادها، واليوم هو يوم حنتي وليلة عُرسي.
أعتبر نفسي من المناضلات القليلات جداً، اللاتي حاربن من أجل التعليم الجامعي، فأغلب بنات قريتنا لم يتخطين حاجز المرحلة الاعدادية، فجميع الأهالي هُنا يسعين لزواج الفتيات في سن صغيرة .. حتى من تناضل منهن وتكمل تعليمها الثانوي ، تُكمله وهي في بيت زوجها – إن كان شخصاً واعيًا – وفي حالات نادرة تُكمل تعليمها الجامعي – إن كان شخصاً متحضراً-  وكل ذلك من أجل ألا يسبقها قطار  الزواج.
إلا أنا .. فأنا الوحيدة من بنات قريتي التي أصرت وتحدت كل الظروف من أجل اكمال تعليمها العالي أولاً.. ثم يأتي الزواج أخيراً .
هذا الاصرار  وهذا العند جعل الجميع ينفرون مني ويشبهون حالي بحال جدتي (صفية) .. تلك الجدة التي عاشت منبوذة ضمنيًا من جميع أهل قريتنا لأعوام طويلة.
*****
الجدة (صفية) تخطت عامها السبعين بخمسة أعوام .. ومازالت بالنسبة إليّ أكبر لغز يحتل عقلي وروحي.
تلك الجدة تزوجت خلال حياتها عشرة رجال !!
أنجبت (صفية) من زوجها الأول خمسة من الأبناء والبنات .. وتسعة آخرون من باقي الأزواج التسعة .
لا يهم تلك الأعداد من الأبناء .. فجدتي (صفية) كانت من عائلة ميسورة الحال وعريقة في قريتنا .. لكن المهم هنا، هو  هذا العدد من الأزواج ، الذي جعل من جدتي مثار جدل واستنفار من الجميع.
العجيب في الأمر! أن كل واحد من أزواجها لم يستمر معها لأكثر  من سنة فقط ثم يطلقها،  باستثناء الزوج الأول لذي رحل ولم يطلقها !
*****
الليلة ليلة حنتي .. وقريتنا تعمها الضجة والفوضى .. والجميع في فرح عارم.
أما عن جلستنا النسوية .. فالجميع يرقص ويغني .. وأنا في وسطهن أربط على يديّ القماش لتثبيت الحناء.
تأتي الجدة (صفية) .. وتمسك دفًا صغيراً وتغني بصوتها الرخيم:
" يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلاله
يـا هـنيّـه للّـي ينـولها
يـا هنـيّـه لـــه ...... "
كان الجميع يردد ورائها كالمسحورات ، فلم يرقص أحد انبهارًا بصوت جدتي.
تركتنا الجدة، وراحت تختلي بنفسها إلى غرفتها .. ولكن صوتها لم يتركني، كان هناك شيئًا ما في روحي يناديني ويدعوني أن أترك كل هذا الصخب ، وأن أختلي بجدتي لأول مرة منفردة تمامًا .
*****
طرقتُ بابها طرقات خفيفة بيديّ المربوطتين ، جاءني صوتها من وراء الباب:
أدخلي يا ماجدة.
ويلي!! كيف عَرِفَت جدتي أنني الطارق !!
فتحتُ الباب متعجبة، ولم أنطق بحرف ..
فبادرتني بالقول: "تعالي يا بتي .. تعالي اقعدي في ريحي.
كنت عارفة انك الوحيدة اللي حتيجي تتكلمي معاي، لأنك تشبهيني في كل شي يا ماجدة، وكأني زرعت فيكي روحي ورويتها وكبرتها، ويمكن جا الوقت اللي احكيلك فيه اسرارها".

قُلت: وأنا كمان يا ستي .. دايما كنت بحس ان  في حاجة في روحي جاعدة تخبرني اني مختلفة .. وكنت متأكدة إن الاختلاف ده جاي منك ومن روحك يا ستي .

قالت: اسألي يا بتي .. اسألي .. وأنا راح أجاوبك على كل حاجة .

قلت: ليه ستي اتجوزتي كل دول ؟ ليه دخلو حياتك ؟ وليه خرجوا منها بالطلاج ماعدا طبعا سيدي صالح الله يرحمه ؟

رفعت رأسها إلى الوراء ، واطْلَقًت آهه من تلك التي نسميها آهات الذكريات ..
قالت: "اتجوزت يا بتي سيدك (صالح) وأنا صغيرة يادوب بنت 14، كان راجل طيب وحنين، كان أول راجل يكتب على صفحتي البيضة أحلى كلام .. حبيته جوي يا بتي، وعشت معاه ع الحلوة والمرة ، معاه يا بتي معرفتش معنى الشكوى.
لغاية ما افتكره ربنا، وسابني وحدية .. اتجوزت بعده راجل ورا راجل، وخلفت منهم عمامك وعماتك، بس محدش كان بيعاملني كيف (صالح) ماكان بيعاملني، محدش عرف يملى مكانه، أو  عرف يمحي اللي كتبه على صفحتى البيضة" .

قلت: مش فاهمة ياستي .. أرجوكي وضحي أكتر !

قالت: ماتستغربيش يا بتي لو قلت لك إني كنت بطلب الطلاج لأن مفيش ولا راجل منهم كان (بيبوسني) كيف سيدك صالح ما كان بيعمل!

قاطعتها – وعلى وجهي كل علامات الدهشة بابتسامة شديدة البلاهة – : مفيش حد كان بيبوسك ! كيف يا ستي وانتي ليكي منهم كلهم عيال ؟!!

قالت –  أيضًا يعلو وجهها ابتسامة عريضة – : يخرب عقلك يا متعلمة !! يعني ماتعرفيش إن العيال بتيجي من غير بوس ؟!!
بصي يا بتي .. سيدك صالح علمني إن (البوس) أهم من انه ينام معايا عشان نجيب عيال وخلاص .. علمني إن (البوس) هو اللي بيحلي كل المرار اللي في دنيا .. وهو اللي بيصنع السُكنة والمودة بين الراجل ومرته.

قلت: يعني يا ستي تطلبي الطلاج  9 مرات عشان محدش بيبوسك ؟

قالت – كان الرد سريعًا كطلقة رصاص – : أومال أعيش كيف البهيمة اللي بيعشّروها وبس يا بتي ؟!!
لا طبعًا .. آني بني آدمة .. ولزمن أحس بالراجل اللي اعاشره .. مش أعيش معاه عيشة البهايم !
أيوا يا بتي .. أنا تحملت كلام كتير ، واشاعات مهينة .. عارفة ليه اشاعات ؟ لأني كنت برفض أنام مع الراجل اللي تجوزته .. كنت بحس انه غريب عني .. عايز يعريني ويغتصب جسمي وخلاص.
فيقوم المحروق يطلع عني اشاعات اني مرة باردة وماليش في الجواز!!
ومحدش فيهم فكر  في نفسه وسألها كيف بيعامل دبيحته..
لكن سيدك (صالح) لا .. كان راجل نضيف في نفسه ومشاعره .. كان بيعاملني كيف الأميرة .. كان يطلب ودي جَبْل ما يطلب جواري في السرير .. كان بيبوسني يا ماجدة ... ومفيش حد بعديه قرب من مكان بوسته لي .

اقتربت مني الجدة وطالبتني أن اقترب منها بالمثل .. ثم نظرت إلى عيني بقوة وتركيز وقالت:
"البوسة يا بتي كيف مفتاح الدرج اللي جنبك"

ثم قامت بحركة سينمائية بعينيها شديدة البراعة في دقتها وقالت:
"اللي يبوسك هنا – تنظر بالأعلى إلى شفاهي –
طوالي ينفتح الدرج – تنظر بالأسفل إلى ساقي – ".

*****
إلى هنا انتهى الحوار بيني وبين الجدة (صفية) ..
ثم تمددت بجسدها التعب على سريرها .
قمت من مكاني في حالة ذهول وأيضاً في حالة اشباع ذهني !
وحين هممت بالخروج من غرفتها .. قالت لي مودعة:

ربنا يكفيكي يا بتي شر  إهانة البدن  وعَوَّز الروح.