من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الاثنين، مايو 14، 2018

سيـدة البـــــــــراح




عمرها الشاب يهوى البراح
عيناها تنفر من الأماكن الضيقة والأثاث الضخم الذي من شأنه أن يبتلع جزءًا كبيرًا من المساحات الفارغة.
قبل زفافها، طلبت من المقاول إزالة الحائط الذي يفصل بين غرفة نومها والشرفة، أرادت أن تٌبهج عيناها وروحها بالمساحة الواسعة .
ولِمَ تحتفظ بالبلكون من الأساس؟
هي حتى لم تستوعب يومًا أهمية البلكونات!
فما الممتع في أن يصبح لدى الساكن بلكون .. هل يستهويه النظر من خلالها إلى المارة، أم ينبهر بعجقة السيارات؟!!!
رأت أن قرارها كان حكيمًا
فهي تعلم جيدًا أنها لن تستخدم البلكون، لذا فمن الأجدر أن تُكْسِب روحها بما يطيب لها، لا بما هو متعارف عليه وكائن بالفعل .
طابت نفسها، وصار كل شيء كما تمنت عيناها..

عملت بدأب طوال الثلاثين عامًا منذ زفافها على تعديل وتغيير الأثاث كلما شعرت بأن المكان قد ضاق بأفراد أسرتها..
ظلت تتعامل مع الموضوع بحرفية مهندس أصابته لوسة بسبب مسألة ما .. واستصعب عليه الحل!!
تهم بالإمساك بعلبة سجائرها..
وتصنع قهوتها السادة ..
وتقف في منتصف الغرفة المستهدفة لمدة ساعة تقريبًا .. وهي تنفث دخان السيجار  وراء الأخرى.. إلى أن تصل لمرادها نظريًا ..
ثم تخرج كما الملبوسة بالجن والعفاريت صارخة كأرخميدس "يوريكا .. يوريكا" حين اكتشف قانون الطفو وخرج من حمامه عاريًا!

حتى عندما أنجبت أطفالها الثلاثة .. كانت تحاول انتزاع كل المساحات الفارغة من الأثاث بكل الطرق الممكنة ..
بدايةً من ابتياع أسرّة فوق بعضها للأطفال نهاية بالتخلص من أي شرفة موجودة في المنزل.. للأستمتاع بأكبر قدر من البراح.

لقد كانت الأم الوحيدة في الحياة التي تسعد بزفاف ابناءها وبناتها .. ففي خروجهم من المنزل مزيدًا من البراح..
حتى يوم مات زوجها .. وحزنت كثيرًا على فراقه .. لكنها أدركت في وقت وجيز أن المكان صار به مزيدًا من البراح وأصبح مريحًا لعينيه أكثر


تزوج الأولاد واحدًا تلو الآخر .. ولم تتمسك بأن يقيم أحد اولادها معها في المنزل
هي الآن تتنفس البراح بكلتا رئتيها
يكفيها أن يزورها الأولاد والاحفاد باستمرار
فهي لا تنزعج من زياراتهم، ولكنها أيضا تسعد كثيرًا بانتهاء وقت الزيارة وعودة كل فرد الى داره الذي لا يبعد بأي حال عن براح بيتها سوى بضعة أمتار من نفس الحيّ.

ثم
انتقل البراح في المنزل الى البراح في الحي الذي تسكنه ..
وذلك حين قرر أولادها الهجرة إلى مكان آخر ..
هاجروا جمعيهم مرة واحدة وليس تباعًا ..
صارت هي في براحها دون صخب أو إزعاج ..
لم يعد أحد يزورها .. ولم يعد أحد يملأ مساحات منزلها الذي صار واسعًا جدًا ..

ظنت أنها تستطيع تدبر أمرها بمفردها .. فهمي لازالت تمتلك قهوتها وعلبة سجائرها وريموت تلفازها .. وعينان لا تؤذيهما الزحام والمساحات الضيقة..

مرت الأيام والشهور على حالها، حتى صارت تشبه بعضها .. حتى تشابه الليل مع النهار .
إلى أن يهاتفها اولادها واحفادها مرة كل اسبوعين..
كانت تتهلل من شدة السعادة والغبطة..
لقد اشتاقت لهؤلاء الأوغاد الصغار مع اباءهم ..
اشتقات لشقاوتهم وعبثهم ..
كانت تستهدف مواعيد اتصالهم بها .. ليؤنسوا وحشة يومها ..
وحين تغلق هاتفها معهم .. يصبح ليومها مذاقًا طيبًا
تنام بعدها في حالة من الهدوء والونس
فهي أصبحت تعرف الليل من النهار ..
مكالمة هؤلاء الصغار  جعل من روزنامة التقويم قيمة حقيقية لحياتها ..
وذات مساء بعد حديثهم الطويل معًأ ..
نامت ..
وحين استيقظت شعرت بمزاج رائع وهاديء 
أرادت أن تكافيء ذاتها على هذه الطاقة المبهجة

رددت في نفسها مبتسمة بأنها ستصنع لنفسها قهوتها ,, تجهز  علبة سجائرها ..
ولكن تلك المرة اشتهت أن تتناولها في شرفة غرفتها وهي ترقب المارة وتستمتع بصريخ الأولاد وهم يمرحون وتأنس بصخب أبواق السيارات..

ولكن !
مهلًا !!
إنها لا تملك شرفة !!
تذكرت أنها أزالت جميع شُرفات المنزل منذ زمن بعيد وحولتهم إلى جدران صلبة مصمتة.. يمنع أصوات الخارج والضوضاء
والآن أيضًا منعها من مِلْيء روحها بزخم الحياة ..
منعها أن تتناول قهوتها وهي ترقب الآخرين كيف يحيون!!

هناك تعليق واحد: