من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الجمعة، يناير 09، 2015

كرسي معالي العريس !!





عجيب أمر هذا الكرسي !!
لم يدخل عريس إلى دارنا يوماً إلا وأسقط جثته عليه سهواً دون استئذان أو تمييز ..
العرسان فقط يجتذبهم هذا الكرسي الساكن في مكانه البعيد الهاديء ، أما بقية الضيوف فينثرون أجسادهم  في كل ركن في غرفة مجلسنا المتواضع ويبتعدون عن هذا الكرسي ...

لا أدري لماذا ؟؟
ولا أدري السر وراء سلوك العرسان فور دخولهم بيتنا !!
ولا أدري لماذا لم تغير أسرتي أثاث تلك الغرفة في كل مرة نحاول صُبغ حيطانها ؟؟
تقول أمي : إن أثاث تلك الغرفة لم يستهلك كثيراً ، ولا يتم فتح الغرفة سوى إذا حضر لدينا عريس واهله .. فيما عدا ذلك فهي دائمًا مغلقة ،  لذا ما الحاجة إلى تغيير أثاثها  .. قد نكتفي فقط بتجديدها وليس التغيير..
ربما معها حق ..

أعود مرة أخرى إلى هذا الكرسي العظيم الذي جلس عليه أعداد لا بأس بها من العرسان ، بعضهم كان لأخواتي اللاتي يكبرنني في العمر ، والبعض الآخر كان لبنات عمومتي ، بحكم أن والدي هو كبير عائلتنا ، سواء عائلة أبي أو عائلة أمي ، وهو له كل الحق في مقابلة وفرز العريس المتقدم لإبنة خالي أو ابنة خالتي ..

كنت طفلة صغيرة لا تتجاوز الخمس سنوات من عمرها حين حضر أول عريس لأختي الكبرى .. دخلتُ مع أبي إلى غرفة  "الإستجواب" بصفتي الصغيرة الشقية .. كنت أنظر إلى العريس وأتأمل أبي وهو يقيّم ذات هذا المسكين ، ويفرض عليه كل ما يمكن اكتسابه من حقوق لأجل ابنته ( *ملحوظة : أبي يفعل ذلك مع جميع بنات العائلة ) ..

توافد العرسان على دارنا  .. عريس يمضي ولا يعود ، وعريس يمضي فيعود بأهله وأولاد عمومته ، وكل زائر من أجل الزواج لا يجد مكاناً يجلس فيه سوى هذا الكرسي الساحر المسحور..

أزعم أني حضرت جميع  الجلسات التي كانت تُدار لعقد الاتفاقيات بين أي عريس وأبي ، في حين لم يكن من حق العروس أو حتى أمي أن تجلس في مثل تلك الاتفاقيات !!
قد يعود السبب إلى تجنب هذا الزن المميت من طفلة في مثل عمري ، حتى تحول الأمر إلى الاعتياد من الجميع في مرحلة النضج ..

كنت الوحيدة التي كانت وما تزال تجلس مع أبيها في حضرة العريس ، والذي أصبح يستوجب استجوابه وتقييمه من كلينا ( أنا وأبي ) ، ليخرج أبي ويعلن الموافقة  أو الرفض لأمي ، وأخرج أنا لأعلن عن كل التفاصيل للجميع وأسباب القبول أو الرفض .... فدائماً  يكون معي كواليس المشهد ..
رحلة طويلة مررت بها مع كل رجل يدخل بيتنا ، ويعرض امكانياته وطموحاته ورغبته في الاقتران بابنة من بنات عائلتي ..

هناك منهم من هو واثق من نفسه ، ومحدد لهدفه ، ويعرف جيداً انه لن يخرج خائب الوفاق ..
ومنهم من يكون خجلاً  ، يعرق كثيراً ولا يتكلم إلا متلعثما ..
ومنهم من يحاول طوال الوقت أن يمن علينا بمجيئه إلى دارنا فيسرد لنا قصة كرمه وتواضعه لمصارهتنا ..

أيضاً هناك منهم الرجل كريم النفس ، الذي يدخل دارنا مُحمّلاً  بقالب حلوى أو علبة الشيكولاتة الفاخرة ، وهو لا يعلم إن كان سيتم قبوله أم لا  !! ..
وهناك من هو لئيم النفس ، يدخل دارنا ويستأنس بكل ما نقدمه له من واجب الضيافة ولكنه لا يكلف نفسه أن يأتينا بهدية بسيطة تحية لأصحاب المنزل !

أبي لم يكن يهتم بتلك التفصيلات الصغيرة ، ولكن رفضه أو قبوله كان يأتي بناءًا على فطنته وحدسه وخبرته التي من أجلها يلجأ إليه كل فرد في عائلتنا ..
أما أنا فكنت أهتم بتلك الصغائر ، والتي أُصر عليها حتى الآن بأنها الأهم في تحديد شخصية العريس .. فأبدأ بما يأتي به (واجب الزيارة) ، مروراً بطريقة ملبسه –  ولا يهمني إن كان ملبسه غالياً أو رخيصاً ولكن يكفيني أن يكون مهندمًا ومنسقًا – ، منتهية بطريقته في الكلام وإجابته على كل الأسئلة المطروحة ،،

أتذكر يوم تقدم المدعو (صلاح) إلى (سميحة) ابنة عمتي منيرة ..سأروي لكم المشهد لتصبحوا الحكم ..
يدخل صلاح (العريس) ومعه والده وخاله .. ثلاثة رجال ، كل رجل منهم يبدو عليه الوقار .. يجلس صلاح على كرسي معالي العريس - هكذا أطلقت عليه - ويتراص الجميع على الكنبة المجاورة .. ثم أنا .. ثم أبي ..
كنا نعلم أن سميحة واقعة في غرام هذا الصلاح .. وكنت أعلم أن هذا العريس مقبولاً بضغط من ابنتنا .. وأن زيارته مع هؤلاء القوم ماهي إلى صورة تكتمل بيها عقود الإتفاق التي بين سميحة وصلاح ..
خرجتُ من غرفة الجلوس وأنا ممتعضة وكارهة لهذا الرجل الذي دخل بيتنا دون أن يحضر قالب حلوى أو علبة شيكولاتة .. يومها اشتبكت معي سميحة في صراخ ولعنات واتهمتني بأنني مادية ونظرتي سطحية .. وأن أبي - الذي هو خالها - قد تمادى في تدليلي بأن أعطى لصغيرة مثلي - كنت وقتها في 24 من عمري ولكني بأي حال أصغر فرد في عائلتنا بالفعل  - حق التدخل وإبداء الرأي في حياة ومستقبل بنات العائلة  ..
وبعد عام واحد فقط من تلك المشادة التي كادت تقطع العلاقات بيني وبين بيت عمتي منيرة .. علمت أن سميحة الآن تنشد الطلاق وتتوسل كل فرد في العائلة من أجل دعم قراراها ..

هل اتضحت شخصيته من مجرد علبة شيكولاتة لم تدخل دارنا ؟!!!
نعم .. ثم نعم .. ثم نعم ..
اتضحت شخصيته من مجرد علبة شيكولاتة لم تدخل دارنا ..
في تلك العلبة أو غيرها أجد مفتاح شخصية أي زائر ..
ربما يرى البعض في كلامي عيبًا أو ربما هناك من يأخذ انطباعًا سيئًا عني وعن عائلتي .. ولكني لا أقول سوى الصدق .. فكما لك الحق أن تصدر رأيًا من خلال أفكاري .. لي أنا أيضًا الحق في أن أعرفك من خلال تلك العلبة التي تحملها بتوقيع (مع محبتي) حتى وإن لم تكن صهرًا لعائلتنا ..


تكمن كوميديا الموقف حقاً ، حين تنعقد الاتفاقات حول ما سيجلبه العريس في منزل الزوجية وبين ما ستجبله العروس أيضاً ..
يسقط العريس من نظري لحظة أن يجادل ويحاول الفصال .. وقتها فقط أشفق على عروسه ، لأني أعلم جيداً كيف ستعاني مع رجل يفاصل في كل شيء ..

ذات يوم تقدم لابنة خالي عريس ، وبعد مجادلات طويلة انتهينا فيها إلى حلول ترضي نوعاً ما جميع الأطراف ، ولكنه تذكر أن المكواة لم نتفق عليها لذا فهي من اختصاص أهل العروس !! يومها أعلنت أني أرفض هذا الشخص وبقوة ، لأني أدركت أن ابنة خالي ستعيش الجحيم مع مثل هذا الرجل .
ومرة أخرى انتهى الزواج فورًا بعد عقد القران .. حين اختارت أختي أثاث غرفة نوم ذات لون يناسب ذوقها .. ولكن والدة العريس اعترضت وخيرتها بين غرفة نوم يكون بذوقها الخاص أو أن تغير طلاء غرفة النوم حتى يتناسب مع ذوق أختي ..
كنت أعلم منذ البداية أن تلك العائلة لن تستمر معنا طويلًا .. فمنذ أول جلسة وهم دائمو الفصال .. بسبب وبدون سبب .. كانت مقابلتهم من أسوأ المقابلات التي مررت بها  .. وأشفقت على أختي من تلك الزيجة .. وأيضًا أعلنت رفضي ، ولكن أختي كانت تصر عليه ..

كان موقف سميحة ابنة عمتي منيرة مؤثراً جدًا في نفسي ..
مما جعل أمي تنصحني بأن أتخفف من حدتي ورأيي الصادم قليلًا  .. حتى لا يظن الأهل بي أنني أغار من بنات عمومتي .. لأن العرسان يتوافدون عليهن وأنا لم يأتني نصيبي بعد ..
كانت أمي على حق .. وقد تعلمت أن أعلن رفضي بلطف وأن أقول أسبابي بهدوء .. وعلى العروس أن تختار مصيرها ..
فيما بعد تنصف  الأيام رأيي وتثبت أني كنت محقة  !!

******************

ثلاثون عاماً وأنا أحضر اتفاقات مختلفة وزيجات غريبة ، لم يجمع بين هؤلاء الأغراب سوى هذا الكرسي العجيب الذي يجلس عليه الجميع ، ويخرج إما صفر اليدين وإما حائزاً على قبولنا ..

ثلاثون عاماً أنتظرك يا (أدهم) .. تطرق باب منزلنا ، وتجلس في مجلسنا وعلى كرسي معالي العريس..
أتخيلك تبدأ حديثك بثقة وثبات .. أعلم أنك ستبهر أبي  وستبهرني حتى وإن لم أحضر جلسة تلك الاتفاقية .. أعلم أنك لن تكون في حاجة إلى تلقينك أصول تقاليدنا .. فأنت الكامل في كل شيء .. أعلم كيف يكون ملبسك .. كيف تكون جلستك وحركات يديك أثناء  كلامك وحتى حين صمتك  .. أعلم نوع الهدية التي ستعبر عنك وعن روحك الكريمة ..

مع كل زائر عريس .. أتخيلك أنت .. أستمع إليه وأقرأ ردودك أنت .. أنظر إليه وأراك أنت .. أتحدث معه والصوت هو صوتك أنت  .. أقدم له مشروب الضيافة وتتناوله يديك ..

ثلاثون عاماً يا (أدهم) أنتظر طَرَقاتك على الباب
ثلاثون عاماً يا (أدهم) أُمنّي نفسي برؤيتك في مشهد العريس

عريس يأتي وعريس يمضي .. يجلس على الكرسي المعهود .. ولا تأتي يا أدهم ..
لا تأتي !!


هناك 16 تعليقًا:

  1. جميل فعلا سرد لواقع موجود في معظم البيوت المصريه
    بس الهدف الحقيقي في نظري يكمن في اخر سطرين

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك عزيزي مايكل على مرورك المميز
      ولعلك أصبت الهدف الحقيقي بالفعل يا عزيزي .. ما زالت البنات في انتظار هذا (الأدهم) .. ولا أستثني نفسي :)
      تحياتي لك

      حذف
    2. الشكر ليكي علي مقالك المميز

      حذف
  2. عوداً حميداً يا أستاذة ؛ بوست جميل ومميز كالعادة ؛ والنهاية أكثر من رائعة والله
    :)
    خالص تحياتي وعميق احترامي وتقديري

    ردحذف
  3. تكتمل المؤامرة الكونية لإسعادي حين يترك الباشا تعليقًا هنا :)
    والله لا أبالغ يا صديقي .. فأنت من الشخصيات التي لها بصمة مميزة في نفسي ..
    أرق التحايا لك يا عزيزي

    ردحذف
    الردود
    1. سرد سلس .. أحسنتِ عزيزتى :)

      حذف
    2. يااااه يا عزيزي .. حقيقي مفاجأة حلوة ..
      مبسوطة ان النص عجبك يا عبد النبي .. تسلم لي يا صديقي يارب :)

      حذف
  4. حمدي عبد الرحيم15 يناير، 2015 11:18 ص

    فكرة حلوة يا شيرى

    ردحذف
  5. احلى سينما | احدث الافلام العربية والاجنبية والكارتون والمصارعة - شات ودردشة

    http://a7lacinema.com

    ردحذف