من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الثلاثاء، ديسمبر 22، 2015

السر في بوسة..




تعج قريتنا اليوم بالزحام الصاخب، كحال كل ليلة يسبق عرس أحد من أفرادها، واليوم هو يوم حنتي وليلة عُرسي.
أعتبر نفسي من المناضلات القليلات جداً، اللاتي حاربن من أجل التعليم الجامعي، فأغلب بنات قريتنا لم يتخطين حاجز المرحلة الاعدادية، فجميع الأهالي هُنا يسعين لزواج الفتيات في سن صغيرة .. حتى من تناضل منهن وتكمل تعليمها الثانوي ، تُكمله وهي في بيت زوجها – إن كان شخصاً واعيًا – وفي حالات نادرة تُكمل تعليمها الجامعي – إن كان شخصاً متحضراً-  وكل ذلك من أجل ألا يسبقها قطار  الزواج.
إلا أنا .. فأنا الوحيدة من بنات قريتي التي أصرت وتحدت كل الظروف من أجل اكمال تعليمها العالي أولاً.. ثم يأتي الزواج أخيراً .
هذا الاصرار  وهذا العند جعل الجميع ينفرون مني ويشبهون حالي بحال جدتي (صفية) .. تلك الجدة التي عاشت منبوذة ضمنيًا من جميع أهل قريتنا لأعوام طويلة.
*****
الجدة (صفية) تخطت عامها السبعين بخمسة أعوام .. ومازالت بالنسبة إليّ أكبر لغز يحتل عقلي وروحي.
تلك الجدة تزوجت خلال حياتها عشرة رجال !!
أنجبت (صفية) من زوجها الأول خمسة من الأبناء والبنات .. وتسعة آخرون من باقي الأزواج التسعة .
لا يهم تلك الأعداد من الأبناء .. فجدتي (صفية) كانت من عائلة ميسورة الحال وعريقة في قريتنا .. لكن المهم هنا، هو  هذا العدد من الأزواج ، الذي جعل من جدتي مثار جدل واستنفار من الجميع.
العجيب في الأمر! أن كل واحد من أزواجها لم يستمر معها لأكثر  من سنة فقط ثم يطلقها،  باستثناء الزوج الأول لذي رحل ولم يطلقها !
*****
الليلة ليلة حنتي .. وقريتنا تعمها الضجة والفوضى .. والجميع في فرح عارم.
أما عن جلستنا النسوية .. فالجميع يرقص ويغني .. وأنا في وسطهن أربط على يديّ القماش لتثبيت الحناء.
تأتي الجدة (صفية) .. وتمسك دفًا صغيراً وتغني بصوتها الرخيم:
" يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلاله
يـا هـنيّـه للّـي ينـولها
يـا هنـيّـه لـــه ...... "
كان الجميع يردد ورائها كالمسحورات ، فلم يرقص أحد انبهارًا بصوت جدتي.
تركتنا الجدة، وراحت تختلي بنفسها إلى غرفتها .. ولكن صوتها لم يتركني، كان هناك شيئًا ما في روحي يناديني ويدعوني أن أترك كل هذا الصخب ، وأن أختلي بجدتي لأول مرة منفردة تمامًا .
*****
طرقتُ بابها طرقات خفيفة بيديّ المربوطتين ، جاءني صوتها من وراء الباب:
أدخلي يا ماجدة.
ويلي!! كيف عَرِفَت جدتي أنني الطارق !!
فتحتُ الباب متعجبة، ولم أنطق بحرف ..
فبادرتني بالقول: "تعالي يا بتي .. تعالي اقعدي في ريحي.
كنت عارفة انك الوحيدة اللي حتيجي تتكلمي معاي، لأنك تشبهيني في كل شي يا ماجدة، وكأني زرعت فيكي روحي ورويتها وكبرتها، ويمكن جا الوقت اللي احكيلك فيه اسرارها".

قُلت: وأنا كمان يا ستي .. دايما كنت بحس ان  في حاجة في روحي جاعدة تخبرني اني مختلفة .. وكنت متأكدة إن الاختلاف ده جاي منك ومن روحك يا ستي .

قالت: اسألي يا بتي .. اسألي .. وأنا راح أجاوبك على كل حاجة .

قلت: ليه ستي اتجوزتي كل دول ؟ ليه دخلو حياتك ؟ وليه خرجوا منها بالطلاج ماعدا طبعا سيدي صالح الله يرحمه ؟

رفعت رأسها إلى الوراء ، واطْلَقًت آهه من تلك التي نسميها آهات الذكريات ..
قالت: "اتجوزت يا بتي سيدك (صالح) وأنا صغيرة يادوب بنت 14، كان راجل طيب وحنين، كان أول راجل يكتب على صفحتي البيضة أحلى كلام .. حبيته جوي يا بتي، وعشت معاه ع الحلوة والمرة ، معاه يا بتي معرفتش معنى الشكوى.
لغاية ما افتكره ربنا، وسابني وحدية .. اتجوزت بعده راجل ورا راجل، وخلفت منهم عمامك وعماتك، بس محدش كان بيعاملني كيف (صالح) ماكان بيعاملني، محدش عرف يملى مكانه، أو  عرف يمحي اللي كتبه على صفحتى البيضة" .

قلت: مش فاهمة ياستي .. أرجوكي وضحي أكتر !

قالت: ماتستغربيش يا بتي لو قلت لك إني كنت بطلب الطلاج لأن مفيش ولا راجل منهم كان (بيبوسني) كيف سيدك صالح ما كان بيعمل!

قاطعتها – وعلى وجهي كل علامات الدهشة بابتسامة شديدة البلاهة – : مفيش حد كان بيبوسك ! كيف يا ستي وانتي ليكي منهم كلهم عيال ؟!!

قالت –  أيضًا يعلو وجهها ابتسامة عريضة – : يخرب عقلك يا متعلمة !! يعني ماتعرفيش إن العيال بتيجي من غير بوس ؟!!
بصي يا بتي .. سيدك صالح علمني إن (البوس) أهم من انه ينام معايا عشان نجيب عيال وخلاص .. علمني إن (البوس) هو اللي بيحلي كل المرار اللي في دنيا .. وهو اللي بيصنع السُكنة والمودة بين الراجل ومرته.

قلت: يعني يا ستي تطلبي الطلاج  9 مرات عشان محدش بيبوسك ؟

قالت – كان الرد سريعًا كطلقة رصاص – : أومال أعيش كيف البهيمة اللي بيعشّروها وبس يا بتي ؟!!
لا طبعًا .. آني بني آدمة .. ولزمن أحس بالراجل اللي اعاشره .. مش أعيش معاه عيشة البهايم !
أيوا يا بتي .. أنا تحملت كلام كتير ، واشاعات مهينة .. عارفة ليه اشاعات ؟ لأني كنت برفض أنام مع الراجل اللي تجوزته .. كنت بحس انه غريب عني .. عايز يعريني ويغتصب جسمي وخلاص.
فيقوم المحروق يطلع عني اشاعات اني مرة باردة وماليش في الجواز!!
ومحدش فيهم فكر  في نفسه وسألها كيف بيعامل دبيحته..
لكن سيدك (صالح) لا .. كان راجل نضيف في نفسه ومشاعره .. كان بيعاملني كيف الأميرة .. كان يطلب ودي جَبْل ما يطلب جواري في السرير .. كان بيبوسني يا ماجدة ... ومفيش حد بعديه قرب من مكان بوسته لي .

اقتربت مني الجدة وطالبتني أن اقترب منها بالمثل .. ثم نظرت إلى عيني بقوة وتركيز وقالت:
"البوسة يا بتي كيف مفتاح الدرج اللي جنبك"

ثم قامت بحركة سينمائية بعينيها شديدة البراعة في دقتها وقالت:
"اللي يبوسك هنا – تنظر بالأعلى إلى شفاهي –
طوالي ينفتح الدرج – تنظر بالأسفل إلى ساقي – ".

*****
إلى هنا انتهى الحوار بيني وبين الجدة (صفية) ..
ثم تمددت بجسدها التعب على سريرها .
قمت من مكاني في حالة ذهول وأيضاً في حالة اشباع ذهني !
وحين هممت بالخروج من غرفتها .. قالت لي مودعة:

ربنا يكفيكي يا بتي شر  إهانة البدن  وعَوَّز الروح.



الخميس، نوفمبر 19، 2015

عشق الندى ،،







استيقظت اليوم على خبر أليم، هو وفاة صديقنا العزيز ونبض فرقتنا الموسيقية المتواضعة، كم هو مؤلم أن تخسر فجأة وبدون مقدمات أعز الاصدقاء دون كلمة وداع..
استبدلنا اسمه بلقب "الحكيم"، فهذا أنسب لشخصه ووقاره وهدوءه وقناعاته وروحه الحلوة التي تسيطر على أي مكان يتواجد به..
كان لابد أن استعد  كي اقدم واجب العزاء إلى زوجته وابناءه الصغار ..
ويلي من فقدانهم هذا الرجل العظيم وفقداننا هذه القيمة في حياتنا نحن أصدقاءه..

ولكن ماذا عنها ..
 اقصد صديقتنا ندى ؟
ندى هي المرأة التي أحبت حكيمنا في صمت كالنبلاء .. لم يكن يعرف أحد في فرقتنا عن هذا الأمر سواي .. وكنت أكتم سرها بالتأكيد ..

كانت ندى تفضل أن تحب الحكيم الى مالا نهاية ولا تعلن له أو لغيره انها تحبه !!
كانت تعلم مدى تعلقه بأسرته وأبناءه .. ولم تكن ابدًا لتسطو على حق ليس من حقها .. 

حتى أنا - صديقة عمرها-  لم اعرف انها تحبه لولا انها كانت تنازع الحُمّى وتتمتم باسمه .. لقد كانت في غيبوبة عشق لحظة أن نطقت وأعلنت أنه دائها ودواءها !

لم أفكر كثيرًا من أين أبدأ ..
 فورًا ركضتُ الى صديقتي المقربة .. أواسيها وأشد من أزرها ..

وياااا لهول مارأيت منك يا ندى !!
كانت هادئة .. تدخن في صمت سجارتها .. صدمني هذا الهدوء اللعين .. فهل من المعقول أنها لم تعلم حتى الآن بوفاة حكيمنا ؟؟

فجأة قامت من مقعدها وأحضرت حاسوبها المحمول .. وفتحت ايميلها الخاص .. وقالت لي : اقرأي أولًا ثم نتحدث .
انها رسالة من الحكيم إلى ندى قبيل وفاته بيوم واحد فقط .. بدت لي كأنها رسالة وداع !!

******

نص رسالته:

ندى،،
يا حلم العمر الذي أود اكتماله ..
أعلم يا عزيزتي ما كان يضمره قلبك وروحك لي ..
وأعلم أيضًا أن نبلك وانسانيتك كانا يمنعانك من التصريح أو حتى التلميح بأي شيء بإمكانه أن يهدد استقراري الأسري ..
ولكن ياندى حان دوري كي أهدم كل الأوثان التي ابعدتني عن حبك لسنوات طوال ..

أحبك ..
أقولها وأنا على يقين بها ..
أقولها وقد تعذبت بكتمانها اعوامًا..

ربما تتسائلين لماذا الآن يا حكيم؟
أقولها الآن  وليس غدًا وليس بعد الغد .. أقولها الآن أفضل من أظل في عذاب بها إلى الأبد .. الآن يا ندى قبل أن أرحل وهي مكتومة بين أضلعي .. فلن يسعها الكفن من بعد روحي .

أتعلمين يا حبيبتي .. كم من الليالي زرتني ؟!
أتعلمين كم مشينا على البحر ..
كم التقينا عند لحظات المغيب نعزف موسيقانا ونتأمل ترانيم هوانا .. ؟
أتعلمين أننا قررنا سويًا أن ننجب طفلاً .. كنت سأسميه (حكيم) هذا اللقب الذي منحتني إياه وصرتي تناديني به ..
قلت لك ليلتها إن كان طفلنا صبيًا سوف أسميه (حكيم) وإن كانت فتاه سأترك لك حرية اختيار اسمها يا حبيبتي ندى.
كنت أحلم ببيتنا معا .. كيف ستكون ألوانه .. كيف سنجلس سويًا .. أين سنضع الآتنا الموسيقية .. وكيف ستأتين بفنجان الشاي الذي أُدمن عليه كعطر أنفاسك ..

كنت أحلم بلحظات نشعل فيها سجائرها في ليالي الشتاء .. ونتدفأ بحضن بعضنا البعض .. أرمي همومي كلها فوق صدرك .. وأعيش اليقين بين أحضانك .
كنتُ أدوزن أوتار آلتي على حروف اسمك .. فتخرج معزوفاتي بهية شهية كثغرك البسام ..
ندى .. يا عمرًا صار حتميًا أن يكتمل
إن قُدر  لي البقاء حيًا .. فلتعلمي أنكِ رحلة عمري القادمة .. أنتِ لي يا ندى .. ولن أُفلتك أبدا.. وكيف أُفلت نبضي ؟!
حتى وان اضطررنا للهجرة بعيدًا عن كل الناس وعن كل شيء .. طالما أنتِ لديّ .. فأنا أمتلك الكل شيء..
أجل يا حبيبتي .. قد أتخيل حياتي دون أولادي .. ولكن دونك أنتِ لا حياة ..

أما إذا لم يقدر   لي القدير  عمرًا طويلًا .. فكوني على يقين يا حبيبتي أن المشهد الأخير في عمري سيكون على صدرك وبين أحضانك ..
هذا وعدي لك يا حبيبتي .. 
وعد .

*******

ياااالمفاجآت .. كان الحكيم يحب ندى في صمت ويعلم بحبها له !!
كتب لها رسالة وداع قبل أن يدُفن ويضيق كفنه بما حمله روحه لها ..
خرجت ندى عن صمتها وسألتني في هدوء وثقة ..
-         هل تثقين بكلام الحكيم ؟؟ هل يومًا قال شيئًا كاذبًا ؟؟
بالطبع لا .. الحكيم موثوق به .. فكيف يكذب ..
-         قال أنه سيموت بين أحضاني .. واليوم تعلنون وفاته !! ..
الحكيم لم يمت لأنه قال بأن آخر مشهد له سيكون على صدري ..
سأنتظره كما وعدني ..
أنا أيضًا أعده بأن رحيلي لابد أن يكون بين أحضانه لأحيا حياة جديدة لايملك زمامها سواه.

لقد مات الحكيم بين أحضان أخرى غير أحضان ندى ...
فكيف لعشق الندى أن يُسّلم بهكذا رحيل ؟!


******




الأحد، أكتوبر 25، 2015

أنا لست ظـــل فأر ،،




لم أفقد الثقة بذاتي بعد الطلاق .. بالرغم المحاولات المستميتة من طرف طليقي للنيل من كرامتي وشخصي وأنوثتي وكل شيء يخصني من قريب أو من بعيد .. 
كان هدفه الأول والأوحد تدميري قبل الحصول على الطلاق .
ولكني كنت دائمًا الأقوى بل والأميز  .. بدأتُ حياتي فورًا قاذفة بعشر سنوات من الشقاء والبؤس وراء ظهري.
عدت إلى الحياة والناس عودة متوجة  بنسيان الماضي، حتى لو كان الماضي هو الأمس فقط !

عدت إلى دراساتي العُليا، وعدت إلى عملي، وعدت الى نشاطاتي الاجتماعية .
أسير في الاتجاهات الثلاثة على التوازي دون توقف عن الابتسام، بل والسخرية من كل ماضٍ مؤلم.
لم تبخل عليّ تلك العودة القوية بنظرات الاعجاب سواء من النساء أو من الرجال .. 

ظن البعض أن بعد الطلاق سأكون منكسرة .. حزينة .. ضعيفة .. ولا مانع طبعًا من اللعب على هذا الوتر  الذي أخفيه وراء ابتساماتي – بحسب  ظنونهم – للنيل مني ومن ضعفي.
يفشل الجميع .. حين يتعلق الأمر  بالمراهنة على قوتي .. هل هي مزيفة أم حقيقية!

*****
مرَّ  الوقت سريعًا .. من محنة إلى نجاح ووهج.
تلاحق الرجال في طلب الزواج من تلك المرأة  السوبر .

أصبحتُ الآن أمام اختيار بين خمسة من الرجال، كل منهم رائد في مجاله .. ناضج في فكره وعمره وأفعاله.

ولكن !!
هل أنا سعيدة ؟
الحقيقة تقول بأن رجل واحد كافٍ وكفيل لنسف أي من مشاعر الأسى بداخلي .. فما بالك بخمسة ؟
كيف لا أكون سعيدة وأنا ناجحة و (مرغوبة) أيضًا ..؟؟
لقد تفوقت على طليقي .. وطعنت غروره الذي به حاربني سابقًا .. وقضيت تمامًا على كل محاولاته القذرة لقتلي معنويًا .
أنا الآن بإمكاني أن أتزوج من بإمكانه أن يجعل طليقي يشعر بضآلة حجمه 

لكن الأمر بالنسبة لي ليس انتقامًا ..فهو ليس بذات ثِقَل حتى يأخذ مساحة من حياتي وحياة شريكي الجديد.

إذن لم لا أبدو سعيدة؟
الإجابة باختصار .. لأنني لم أتجاوز " الوحدة " بعد ..

أجل!! أنا وحيدة ! على الرغم من كل الصخب الذي يملأ عالمي كله .. إلا أنني مازلت أعاني الوحدة .

أعاني الوحدة  حين تأتي أيام العُطَل الرسمية ويغلق كل رجل منهم هاتفه تفرغًا لأسرته.
أعاني الوحدة حين يهاتفني أحدهم ويحدثني عن اشتياقه، ثم يغلق هاتفه سريعًا لأن زوجته قد عادت إلى المنزل.
أعاني الوحدة حين افكر في طلبهم بالزواج مني سرًا !!

الرجال يخافون فجأة على زوجاتهم وعلاقاتهم الأسرية حين يتعلق الأمر بإمرأة أخرى يرغبون الاقتران بها.

عروضهم بالزواج مني لم تسعدني .. 
فلقد عانيت الوحدة زمنًا طويلًا  ..
وهم الآن يريدونني أن أسير بخطىً ثابتة في اتجاه المزيد من الوحدة.

تضرب رأسي بعضًا من الخيالات ..
فأتخيل .. حين يتركني أقضي الأعياد وحدي .. أو اذهب إلى مناسبة عامة وحدي .. فهو غير قادر على الظهور معي .. لأنني السرية! 

أتخيل .. حين يأتيني سرًا ليقضي سويّعات بين أحضاني ثم يرحل حين تدق الساعة العاشرة.. فهو لا يستطيع أن يفوت العشاء مع أسرته.

أتخيل .. وأنا أبيت شتائي دون عناق يجعل دمائي تصدح في وريدي كمدفأة.

أتخيل .. أن يبللني المطر  في لحظة دون الشريك يلعق كل قطرة تسير على جسدي .. ليحتلني ريقه بدلاً من قطرات المطر.

أتخيل أن يصيبني المرض .. وأبيت ليلتي وحيدة لا يوجد من يطبع على خدي قبلة الدعاء بالشفاء.

لا ... لا ... لا
أكره أن أعيش وحيدة وأن أموت وحيدة ..
أكره أن أكون امرأة سرية .. وعشيقة بعقد زواج.

هل حاربتُ رجلًا من أجل حريتي لأظل سجينة الوحدة من أجل آخر ؟!!

هم يريدونني أن أعيش كظل الفأر  !

أقولها لهم الآن .. لن أقبل بأن أكون زوجة في السر ..

 فأنا لست ظل فأر  .




*********
*ملحوظة غريبة من صديقتي المقربة :
تقول أن أي امرأة بامكانها العيش كظل فأر  إن أصابتها سهام العشق ... وهذا ما ينقصني !
وأقول لها:
لا أستطيع المجادلة في أي أمر يخص العشق
للعشق لامعقوليته التي تتجاوز كل الظلال ..  وحتى ظل الفأر !


الجمعة، يناير 09، 2015

كرسي معالي العريس !!





عجيب أمر هذا الكرسي !!
لم يدخل عريس إلى دارنا يوماً إلا وأسقط جثته عليه سهواً دون استئذان أو تمييز ..
العرسان فقط يجتذبهم هذا الكرسي الساكن في مكانه البعيد الهاديء ، أما بقية الضيوف فينثرون أجسادهم  في كل ركن في غرفة مجلسنا المتواضع ويبتعدون عن هذا الكرسي ...

لا أدري لماذا ؟؟
ولا أدري السر وراء سلوك العرسان فور دخولهم بيتنا !!
ولا أدري لماذا لم تغير أسرتي أثاث تلك الغرفة في كل مرة نحاول صُبغ حيطانها ؟؟
تقول أمي : إن أثاث تلك الغرفة لم يستهلك كثيراً ، ولا يتم فتح الغرفة سوى إذا حضر لدينا عريس واهله .. فيما عدا ذلك فهي دائمًا مغلقة ،  لذا ما الحاجة إلى تغيير أثاثها  .. قد نكتفي فقط بتجديدها وليس التغيير..
ربما معها حق ..

أعود مرة أخرى إلى هذا الكرسي العظيم الذي جلس عليه أعداد لا بأس بها من العرسان ، بعضهم كان لأخواتي اللاتي يكبرنني في العمر ، والبعض الآخر كان لبنات عمومتي ، بحكم أن والدي هو كبير عائلتنا ، سواء عائلة أبي أو عائلة أمي ، وهو له كل الحق في مقابلة وفرز العريس المتقدم لإبنة خالي أو ابنة خالتي ..

كنت طفلة صغيرة لا تتجاوز الخمس سنوات من عمرها حين حضر أول عريس لأختي الكبرى .. دخلتُ مع أبي إلى غرفة  "الإستجواب" بصفتي الصغيرة الشقية .. كنت أنظر إلى العريس وأتأمل أبي وهو يقيّم ذات هذا المسكين ، ويفرض عليه كل ما يمكن اكتسابه من حقوق لأجل ابنته ( *ملحوظة : أبي يفعل ذلك مع جميع بنات العائلة ) ..

توافد العرسان على دارنا  .. عريس يمضي ولا يعود ، وعريس يمضي فيعود بأهله وأولاد عمومته ، وكل زائر من أجل الزواج لا يجد مكاناً يجلس فيه سوى هذا الكرسي الساحر المسحور..

أزعم أني حضرت جميع  الجلسات التي كانت تُدار لعقد الاتفاقيات بين أي عريس وأبي ، في حين لم يكن من حق العروس أو حتى أمي أن تجلس في مثل تلك الاتفاقيات !!
قد يعود السبب إلى تجنب هذا الزن المميت من طفلة في مثل عمري ، حتى تحول الأمر إلى الاعتياد من الجميع في مرحلة النضج ..

كنت الوحيدة التي كانت وما تزال تجلس مع أبيها في حضرة العريس ، والذي أصبح يستوجب استجوابه وتقييمه من كلينا ( أنا وأبي ) ، ليخرج أبي ويعلن الموافقة  أو الرفض لأمي ، وأخرج أنا لأعلن عن كل التفاصيل للجميع وأسباب القبول أو الرفض .... فدائماً  يكون معي كواليس المشهد ..
رحلة طويلة مررت بها مع كل رجل يدخل بيتنا ، ويعرض امكانياته وطموحاته ورغبته في الاقتران بابنة من بنات عائلتي ..

هناك منهم من هو واثق من نفسه ، ومحدد لهدفه ، ويعرف جيداً انه لن يخرج خائب الوفاق ..
ومنهم من يكون خجلاً  ، يعرق كثيراً ولا يتكلم إلا متلعثما ..
ومنهم من يحاول طوال الوقت أن يمن علينا بمجيئه إلى دارنا فيسرد لنا قصة كرمه وتواضعه لمصارهتنا ..

أيضاً هناك منهم الرجل كريم النفس ، الذي يدخل دارنا مُحمّلاً  بقالب حلوى أو علبة الشيكولاتة الفاخرة ، وهو لا يعلم إن كان سيتم قبوله أم لا  !! ..
وهناك من هو لئيم النفس ، يدخل دارنا ويستأنس بكل ما نقدمه له من واجب الضيافة ولكنه لا يكلف نفسه أن يأتينا بهدية بسيطة تحية لأصحاب المنزل !

أبي لم يكن يهتم بتلك التفصيلات الصغيرة ، ولكن رفضه أو قبوله كان يأتي بناءًا على فطنته وحدسه وخبرته التي من أجلها يلجأ إليه كل فرد في عائلتنا ..
أما أنا فكنت أهتم بتلك الصغائر ، والتي أُصر عليها حتى الآن بأنها الأهم في تحديد شخصية العريس .. فأبدأ بما يأتي به (واجب الزيارة) ، مروراً بطريقة ملبسه –  ولا يهمني إن كان ملبسه غالياً أو رخيصاً ولكن يكفيني أن يكون مهندمًا ومنسقًا – ، منتهية بطريقته في الكلام وإجابته على كل الأسئلة المطروحة ،،

أتذكر يوم تقدم المدعو (صلاح) إلى (سميحة) ابنة عمتي منيرة ..سأروي لكم المشهد لتصبحوا الحكم ..
يدخل صلاح (العريس) ومعه والده وخاله .. ثلاثة رجال ، كل رجل منهم يبدو عليه الوقار .. يجلس صلاح على كرسي معالي العريس - هكذا أطلقت عليه - ويتراص الجميع على الكنبة المجاورة .. ثم أنا .. ثم أبي ..
كنا نعلم أن سميحة واقعة في غرام هذا الصلاح .. وكنت أعلم أن هذا العريس مقبولاً بضغط من ابنتنا .. وأن زيارته مع هؤلاء القوم ماهي إلى صورة تكتمل بيها عقود الإتفاق التي بين سميحة وصلاح ..
خرجتُ من غرفة الجلوس وأنا ممتعضة وكارهة لهذا الرجل الذي دخل بيتنا دون أن يحضر قالب حلوى أو علبة شيكولاتة .. يومها اشتبكت معي سميحة في صراخ ولعنات واتهمتني بأنني مادية ونظرتي سطحية .. وأن أبي - الذي هو خالها - قد تمادى في تدليلي بأن أعطى لصغيرة مثلي - كنت وقتها في 24 من عمري ولكني بأي حال أصغر فرد في عائلتنا بالفعل  - حق التدخل وإبداء الرأي في حياة ومستقبل بنات العائلة  ..
وبعد عام واحد فقط من تلك المشادة التي كادت تقطع العلاقات بيني وبين بيت عمتي منيرة .. علمت أن سميحة الآن تنشد الطلاق وتتوسل كل فرد في العائلة من أجل دعم قراراها ..

هل اتضحت شخصيته من مجرد علبة شيكولاتة لم تدخل دارنا ؟!!!
نعم .. ثم نعم .. ثم نعم ..
اتضحت شخصيته من مجرد علبة شيكولاتة لم تدخل دارنا ..
في تلك العلبة أو غيرها أجد مفتاح شخصية أي زائر ..
ربما يرى البعض في كلامي عيبًا أو ربما هناك من يأخذ انطباعًا سيئًا عني وعن عائلتي .. ولكني لا أقول سوى الصدق .. فكما لك الحق أن تصدر رأيًا من خلال أفكاري .. لي أنا أيضًا الحق في أن أعرفك من خلال تلك العلبة التي تحملها بتوقيع (مع محبتي) حتى وإن لم تكن صهرًا لعائلتنا ..


تكمن كوميديا الموقف حقاً ، حين تنعقد الاتفاقات حول ما سيجلبه العريس في منزل الزوجية وبين ما ستجبله العروس أيضاً ..
يسقط العريس من نظري لحظة أن يجادل ويحاول الفصال .. وقتها فقط أشفق على عروسه ، لأني أعلم جيداً كيف ستعاني مع رجل يفاصل في كل شيء ..

ذات يوم تقدم لابنة خالي عريس ، وبعد مجادلات طويلة انتهينا فيها إلى حلول ترضي نوعاً ما جميع الأطراف ، ولكنه تذكر أن المكواة لم نتفق عليها لذا فهي من اختصاص أهل العروس !! يومها أعلنت أني أرفض هذا الشخص وبقوة ، لأني أدركت أن ابنة خالي ستعيش الجحيم مع مثل هذا الرجل .
ومرة أخرى انتهى الزواج فورًا بعد عقد القران .. حين اختارت أختي أثاث غرفة نوم ذات لون يناسب ذوقها .. ولكن والدة العريس اعترضت وخيرتها بين غرفة نوم يكون بذوقها الخاص أو أن تغير طلاء غرفة النوم حتى يتناسب مع ذوق أختي ..
كنت أعلم منذ البداية أن تلك العائلة لن تستمر معنا طويلًا .. فمنذ أول جلسة وهم دائمو الفصال .. بسبب وبدون سبب .. كانت مقابلتهم من أسوأ المقابلات التي مررت بها  .. وأشفقت على أختي من تلك الزيجة .. وأيضًا أعلنت رفضي ، ولكن أختي كانت تصر عليه ..

كان موقف سميحة ابنة عمتي منيرة مؤثراً جدًا في نفسي ..
مما جعل أمي تنصحني بأن أتخفف من حدتي ورأيي الصادم قليلًا  .. حتى لا يظن الأهل بي أنني أغار من بنات عمومتي .. لأن العرسان يتوافدون عليهن وأنا لم يأتني نصيبي بعد ..
كانت أمي على حق .. وقد تعلمت أن أعلن رفضي بلطف وأن أقول أسبابي بهدوء .. وعلى العروس أن تختار مصيرها ..
فيما بعد تنصف  الأيام رأيي وتثبت أني كنت محقة  !!

******************

ثلاثون عاماً وأنا أحضر اتفاقات مختلفة وزيجات غريبة ، لم يجمع بين هؤلاء الأغراب سوى هذا الكرسي العجيب الذي يجلس عليه الجميع ، ويخرج إما صفر اليدين وإما حائزاً على قبولنا ..

ثلاثون عاماً أنتظرك يا (أدهم) .. تطرق باب منزلنا ، وتجلس في مجلسنا وعلى كرسي معالي العريس..
أتخيلك تبدأ حديثك بثقة وثبات .. أعلم أنك ستبهر أبي  وستبهرني حتى وإن لم أحضر جلسة تلك الاتفاقية .. أعلم أنك لن تكون في حاجة إلى تلقينك أصول تقاليدنا .. فأنت الكامل في كل شيء .. أعلم كيف يكون ملبسك .. كيف تكون جلستك وحركات يديك أثناء  كلامك وحتى حين صمتك  .. أعلم نوع الهدية التي ستعبر عنك وعن روحك الكريمة ..

مع كل زائر عريس .. أتخيلك أنت .. أستمع إليه وأقرأ ردودك أنت .. أنظر إليه وأراك أنت .. أتحدث معه والصوت هو صوتك أنت  .. أقدم له مشروب الضيافة وتتناوله يديك ..

ثلاثون عاماً يا (أدهم) أنتظر طَرَقاتك على الباب
ثلاثون عاماً يا (أدهم) أُمنّي نفسي برؤيتك في مشهد العريس

عريس يأتي وعريس يمضي .. يجلس على الكرسي المعهود .. ولا تأتي يا أدهم ..
لا تأتي !!