من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الثلاثاء، أبريل 29، 2014

مسخ المرآيــــــــــــا ،،





لم يمر أسبوع على وفاة جارنا المميز في كل شيء "أونكل أحمد" ، هذا الرجل الرائع الذي تمنته كل فتيات ونساء المجتمع المحيط به سواء في المنطقة أو في النادي حيث نجتمع ..
كنّا نحسد "مدام منى" على هذا الرجل الوفيّ الصادق الكريم ، والمحب لزوجته وابنته الوحيدة .. والذي أسماها من فرط حبه لزوجته على نفس اسمها الذي يدللها به دائماً "مونيـــــــا" ..
حتى نحن فتيات النادي لم نكن نجرؤ على أن ننادي مدام منى بـــ(أبلة أو طنط) كما هو المعتاد بيننا ، هذا وعلى الرغم أنها تكبرنا بسنوات تقارب في العمر أمهاتنا وعماتنا ، كنا نناديها بمدام منى (وهذا في النادر) أما المعتاد فكنا نناديها كما يحب أن يناديها زوجها الرائع (مونيا) ، في كل الأحوال كانت هيئتها مختلفة وكأنها تقاربنا في العمر ، فلا يمكن أن تشك عندما تراها أنها تخطت الخمسين بأعوام قد تكون شارفت على الستين !!
كان "أونكل أحمد" شديد الإهتمام بمونيا الأم ، ولم يكن يسمح بعوامل الزمن أن يزحف بوطئته على وجه جميلته..
رحمك الله يا "أونكل أحمد" ..فأنا أكاد أجزم أنك لن تتكرر أبداً .. فرحيلك هدد وجودنا جميعاً .. فمابالك بزوجتك وحبيبة عمرك وأيامك .
*****
استيقظت فجراً على صوت طرقات استنجاد على الباب .. كانت مونيا الإبنة .. جاءت فزعة تستنجد بي بصفتي طالبة امتياز في كلية الطب ، لقد كانت مونيا الأم في حالة هياج وعصبية شديدة ، وكان لابد من اسعاف فوراً.
ركضتُ بمنامتي لفيلا جارتنا المسكينة التي لو عاشت دهراً تبكيه ما استطاعت أن تعبر عن مدى آساها في فقدان الغالي ..
وما إن دخلت الفيلا حتى أدركت كارثية الموقف ، فلقد حطمت مونيا الأم كل مرايا المنزل ، جعلتها كشظايا متناثرة لا يمكن أن تفرقها عن الفتات الذي أصبح أقرب إلى البودرة ..
ياللمسكينة !! كانت تصرخ وتحطم كل شيء في هيستيريا .. أعطيتها حقنة مهدئة بعد أن تكابل عليها جميع من بالمنزل ليمكنوني منها ..
ويلي من هذا اليوم الصعب !! كم آرقني وآلمني أمر تلك الحزينة ..
من بعد ذلك اليوم صرت أتردد على منزلها كل يوم لأطمئن عليها وأتابع حالتها ، وأكون إلى جوارها تجنباً لحدوث أي مشكلة جديدة ..
كانت حالة غاية في الصعوبة .. فهي طوال الوقت حبيسة غرفتها .. تأكل بشراهة .. فما يكاد ينتهي الطعام حتى تطلب طعاماً من جديد ، وهم لا يستطيعو منعها ، وإلا صرخت وهاجت كما حدث لها فجراً ..
دار في رأسي أنه لابد ان ننقلها إلى مصحة حتى تكون تحت المراقبة ، فستأذنت من مونيا الإبنة أن أدخل إلى غرفتها ربما أستطيع اقناعها بذلك ..
دخلت إليها ، كانت المسكينة منزوية في سريرها تتأمل الفراغ .. غرفتها خاوية من أية مرايا ، بل يمكن أن نقول من أي سطح عاكس للوجه ، وبجانبها صينية الطعام حيث انتهت منه تواً ..
ناديتها : مونيا!!
قالت وهي هادئة : منى ، اسمي منى ، ناديني أبلة منى ، أو العمة منى .
ياللبؤس .. لقد رحل عنك يا غاليتي من كان يدللك ، رحل عنكِ من كان يتوجك أميرة على عرش مملكة النساء ..
قلت : أبلة منى .. تعلمين أننا نحبك جميعاً ونخاف عليكِ ، فما رأيك يا عزيزتي أن تأتي معي إلى المشفى التي أتدرب فيها ، قد تهدأين قليلاً .. فما كان "أونكل أحمد" يحب أن يراكي هكذا أبداً .
نظرت إلى بكل شراسة وقالت بقوة واثقة : خـــــــــــائن !!

*******
أمر مستحيل !! "أونكل أحمد" لا يمكن أن يخون مونيا على الإطلاق ، قد أصدق أن الشمس تشرق من الغرب ولا أصدق أن هذا الرجل خائن ابداً ..
فلقد كانت محاولات سيدات وفتيات النادي ، وكل خططهن النسوية والأنثوية تقام أمام ناظري لمجرد  استمالته ، وهو كان دائماً صامداً واثقاً من ذاته .. متدثراً بحب مونيا ، ولا يرى سواها .
ولكن مع نظرتها الثاقبة وجدت نفسي أسألها : خانك مع من ؟!!!
وكأن كل ما يهمني أن أتعرف على تلك الشخصية العبقرية القادمة لابد من كوكب آخر والتي استطاعت أن تجذب "أونكل أحمد" إليها ، لم أهتم بخيانته .. وانما كان همي أن أعرف من هي !!
ردت قائلة : خانني معي !!
هنا أدركت أنها فقدت عقلها .. ويلي !! الحمدلله .. لم يكن هذا الملاك خائناً .. هذا أمر محال ..
وقبل أن أنطق بحرف .. ناولتني صندوقاً صغيراً ، وكأنها تريد أن تنفي عنها تهمة الجنون الذي رددته في نفسي ..
فتحت الصندوق .. كانت عبارة عن صور قديمة خاصة بـ "أونكل أحمد" مع مونيا في كل مكان سافرا إليه معاً !!
ما الأمر إذن ؟
أين دليل خيانته ؟
ياللمسكينة لقد فقدت عقلها بالفعل !!
قالت وكأنها تستمع إلى صوتي المختنق بالأسئلة : هذه ليست أنا .. هذه مونيا !!

********
ثم استرسلت ...
تزوجني منذ عشرون عاماً ,, كان كالملاك في كل شيء ، لا يمكن أن أشك أبداً بأنه شخص يمكنه أن يجرح شعور الحمام ..كان يتفنن في إرضائي .. فكل شيء لي وكل شيء ملكي ..
كنت محور كل شيء بالنسبة إليه ، ولم يسعني إلا أن أبادله نفس الحب والعشق والإهتمام ..
لم أكن أدخر مجهوداً لإسعاده .. ولم يدخر مالاً ليجعلني أسعده ..
لم يكن يحب السمينات .. فأجريت على الفور عملية تجميل ليصبح جسمي منحوتاً كما يحبه هو ..
كان يحب الشعر الطويل الغجري .. فلم أدخر مجهوداً لأحول لون شعري إلى الأحمر الناري كما يشتهي هو ، ولم أدخر منتجاً جديداً إلا وأحضرته ليطيل من شعري كما يرغب هو !!
هو من صار يدللني ويناديني بإسم مونيا .. وهو من اختار لإبنتنا نفس الإسم لأبقى طوال الوقت في قلبه ولسانه ..
لم أكد أكبر في العمر حتى يرسلني إلى بيروت .. لأعود إليه شابة من جديد ..
هو مات .. وأنا كما أنا شابة في عمر الزهور .. لم أكبر ولم أنضج بعد !!
قلت : ولكن مونيا .. أين الخيانة ؟؟ وكيف يخونك معك ؟!!
قالت : " مونيا هي زوجته اللاتينية المتوفاه .. وقد تصادف أني إلى حد ما أشبهها .. لقد رآها في أنا .. فبقليل من عمليات التجميل وقليل من أدوات التجميل تحولت إلى تلك الصورة التي عليه حبيبته الأولى ..
لقد مسخني أحمد إلى شخص آخر غيري ليخلدها هي إلى الأبد .. أراد أن يعيد مونيا إلى الحياة ويعيش معها حتى مماته ..
أنا لست مونيته .. ولا أنا أي شخص آخر .. أنا فقط صناعته ليحيا هو ..
لقد كنت أ عاشر مريضاً طوال عشرين عاماً .. كنت بين أحضانه وهو يهيم بأخرى .
حتى ابنتنا .. أنا لم أكن سوى وعاء لهما .. لم أكن له سوى جسد مونيا حبيبته .."

يا إلهي !! ما كل تلك الصدمات .. أمر لا يصدقه العقل ..
لم أعرف ماذا أقول لها كي أواسيها .. حتى وجدتها تصرخ .. وتتوسل إلي :
"أرجوكي يا ابنتي .. اعطيني أي شيء يريحيني من جحيم هذا الجسد الذي صرت مدفونة فيه .. اقتليني يا ابنتي .. دعيني أذهب إليهما لأقتص منهما .. دعيني أذهب إليه واقابله لألعنه بكل لعنات العالم .. بحق الوجع الذي تركني أعاني به ..
أخرجيني من هذا الجسد يا أبنتي .. ارجوكي أخرجيني منه .. هذا ليس أنا .. حرري روحي .. ارجوكي !!"

*******
وأمام توسلات مونيا .. خرجت من غرفتها .. وهمست في أذن مونيا الإبنة أن تحضر لي مرآة .. وأن لا يدخل أحد على  غرفتها حتى أعود ..
عدت بعد دقائق معدودات .. وأحضرت أدواتي معي .. وأخفيت المرآة عن مونيا ..
طمأنتها وأخبرتها بأني سوف أخرجها من هذا الجسد .. ولكن عليها أن تطيعني في كل شئ ..
قصصت لمونيا شعرها .. وصبغته باللون الأسود .. محيت من على محياها تلك الصورة البلاستيكية التي آراد أن يخلدها فيها "أونكل أحمد" .. جعلتها ترتدي ملابس أنيقة ولكنها فضفاضة بعض الشيء لتكتسب قليلا من الوزن
.. وفجأة تحولت مونيا إلى أبلة منى ..

وما أن رأت نفسها في المرآة .. حتى شعرت بهدوء.. فهي لم تعد ترى مونيا أمامها  ...
صارت تبكي بين أحضاني كطفلة 
وكنت سعيدة ببكائها 
فدموعها كانت بمثابة انتصار على مونيا وعلى خيانة "أونكل أحمد" ومسخه لها !!


السبت، أبريل 26، 2014

في ضمتــــك ماســـك ،،




"في ضمتك ماسك  .. محضون بإحساسك"
ما إن ترامت على مسامعي كلمات هذا المقطع حتى انفرجت من داخل روحي ابتسامة معقدة ، تنعجن خيوطها بعامل الإستغراب وكثير من الحنين ونوع مختلف من الخجل !!
هذا المقطع المكون من اثنين وعشرين حرفاً ، استطاع وبكل هدوء أن يجتاح مشهداً من ذاكرتي ، أصبحتُ أسيراً له لسنوات ، بالرغم أن زمن حدوثه لم يستغرق سوى خمس ثوان .
********
كانت مريضتي .. ظلت تتردد على أطباء مرضى القلب لفترات طويلة .. حتى استقرت بكيانها وروحها عندي
كان مرضها مرهقاً لها ..
ولي .. لا لشئ .. إلا لأنها تتألم !!

لم أكن أعلم خلال فترة دراستي للطب وخبرتي الطويلة في مزاولة المهنة ، أن الطبيب ممكن أن يصاب بداء تخصصه ، وقد أصابني داء العشق ، وخفق قلبي في صمت لم أعتد مثله على الإطلاق
وكيف لي السبيل إلى نسيان ملامحها الرقيقة الطيبة ،
كيف هان عليه المرض أن يزورها ويتملكها ؟
ربما لتأتي إلي ! وترميني بوجعها أحمله بدلاً عنها !
قد أتحمله أنا ، ولكن لا تتحمله هي ..

مرت سنوات ، ولم يعلق في ذهني سوى مشهداً واحداً ، يكبلني أينما تحركت بوجداني ، حتى وإن استمعتُ لأغنية كهذه خاصة بالأم ولم تكن خاصة بحبيبة .. وربما لو كنتُ استمعت لأغنية وطنية كذلك لكنتُ عانقت ذكراها العطرة !!
*******

حينما دخلتُ معها إلى غرفة الكشف ، لأتابع قلبها المعتل ، كانت في حالة اعياء شديدة ، لم تكن بخير ذلك اليوم ..
 بصرها زائغ وغير مستقر ..
شاحبة أقرب إلى الأشباح
مهمومة كقطة خرساء ، تأن في صمت صاخب
و بمجرد أن حطتْ قدماها على الأرض  ، عرفتُ فوراً من نظراتها المبعثرة أن قدماها لن تتحمالاها كثيراً ..
سألتها ان كانت تشعر بدوار ، ولم أكد أُنْه جملتي حتى سقطت بين ذراعي ..
وفي جزء من ثانية شعرتُ بذاك التوحد مع الكون حين تلامست انفاسها مع وجهي وشفاها مع عنقي !!
ويلي من ضمة جعلت الدماء تتضارب في وريدي كما حمم البركان !!

نحيّتُ انسانيتي المتعبة جانباً وقت قفز الطبيب بداخلي ..
 أجلستها وأسعفتها ، حتى استعادتْ وعيها ،
ثم رحلتْ ..

ورحلتُ أنا إلى غيبوبة فكرية لم أتحرر منها إلى يومنا  ،،
لماذا لم استطع نسيان ذلك المشهد ؟
لماذا مازلت سجيناً في ضمتها المبتورة ؟
من تكون تلك المرأة لتحتل عالمي هذا الاحتلال ، وعندما ترحل لا تتركني في سلام ؟؟
أسئلة كثيرة وما من إجابة تُشفي غليل العلة وترحم ألم المعلول !!

ولكن !!
وبالرغم من مرور عدة أعوام على رحيلها من عيادتي ، حيث أنني لم أرها مذ ذاك الوقت ، إلا أنها استطاعت أن تفك طلاسم أسئلتي
كنت أشك بأنها ربما تكون غضبة حين تلقفتُ جسدها المتعب بين ذراعي
ولكن الحقيقة أنها قد شفيتْ تماماً !!
كيف ؟
ومتى ؟

أرسلتْ لي بورقة صغيرة ، ورقة قليلة الكلمات وموجزة
قالت بأنها قد شفيت وأنها لم تعد تحتاج إلى أدويتي أو أدوية أي من طبيب
لقد كان دوائها في ضمة عاشق
وربما لو كنتُ قد أطلتُ في تلك الضمة ليُصبح عناقاً .. لعادت صبية في بدايات الرونق والزهو !!

كان قلبها المعتل لا يبحث عن أدوية كيميائية .. كان يبحث عن عناق صادق يُعيد قلبها إلى جسدها .. ونبضاته إلى روحها
لقد شُفيّت .. وعرفتْ طريق دوائها
وأنا هنا مازلت "في ضمتك ماسك .. محضون بإحساسك" !!


*ملحوظة :
عانق من أحببت 
ففي عناقه مذاق الحياه