من أنا

صورتي
عندمــــــــــــا امنحك تواضعـــــى .. لا تسلبـــــــني اعتزازي بنفســـي

no copy

الاثنين، مايو 12، 2014

وتذكرت أني امرأة !







من يظن أن مجرد سويّعات قليلة قد تكون فارقة في تحول حياة بني آدم من النقيض إلى النقيض الآخر ..
هذا ما حدث معي بالفعل ..
أدركت بعد  تلك السويّعات أن حياتي انقلبت رأساً على عقب بدون أدنى مجهود ، في نفس الوقت الذي كان غيري يعاني من أجل أن يصل إلى هذا النقيض الآخر ليثبت وجوده ويبني كيانه .
ذهبت إلى مركز التجميل الذي اعتدت ذهابه منذ سنوات ، هذا المركز أذهب إليه مرتين في الشهر ، وفي بعض الأحيان أذهب إليه مرة كل شهر ، نظراً لانشغالي الغير منقطع  بين العمل والمنزل والأولاد  ومتطالبات كل ذلك على حدة ، وفي كل مرة كنت أذهب إلى المركز كنت أجد امرأة جميلة دائمة المواظبة على الحضور ، يبدو أنها تصغرني في العمر وهي بالفعل كذلك ، فهي في أواخر العشرينات من عمرها ، ولكن لها لكنة مختلفة قليلاً ، يتضح أنها من احدى القرى ..

تلك المرأة كانت مصدر اهتمام الجميع ، بما فيهم أنا ، ولكن لا وقت لدي لأتعرف عليها وعلى قصتها .. كانت لها هيئة وطلة مذهلة وأغرب ما يمكن أن يقال عنها أنها دائماً تحاول تلبيس الغراب زِيّ الطاووس ، ليس لأنها امرأة قبيحة بل بالعكس فهي جميلة جداً ، ولكن لأن مضمونها ينكشف فور فتح فاها ، فبالرغم من مواظبتها على كل شيء جديد في عالم الموضة والجمال إلا أنها لا تعرف جيداً نطق الكلمات ،ولو حاولت نطق أي كلمة أثارت سخرية الحضور ولكن في السر ،  فبدت أنها بلا ثقافة أو بالأحرى بلا تعليم ..
لا يهم ..  مالي أنا ومالها !!

أذهب كل مرة في ميعادي المعتاد .. أُسلّم نفسي إلى صانعة الجمال التي اعتدت عليها ، كانت فنانة في كل شيء ، ولكن أغلب زبونات المركز لا تطلبها ، لأنها بكماء ، ولكني كنت أرغب دائماً في التعامل معها ، فالكلام أصبح بالنسبة لي كحبل المشنقة الذي أشنق به نفسي كل يوم رغماً عني ، لذا فأنا لا أمتلك تغييرها ، من ذا الذي يريد لنفسه صداع "الكوافيرات" فوق صداع الأعمال اليومية.

أشعر باسترخاء وهدوء عنداللحظة التي تغسل فيها العاملة شعري ..أغمض عيني .. وأذهب بخيالي إلى حيث اللا شيء ..فأنا متعبة من التفكير .. متعبة من كل شيء .. جُلّ ما أتمناه هو الهدوء والإسترخاء ... حتى جاءت تلك الزبونة التي تقترب منها كل علامات التعجب والاستفهام وقطعت علي وصلة الصمت هذه .. كانت بساطة مضمونها وعفويتها سبباً لتجاوز الغربة بيننا ، وبعد بضع كلمات متبادلة بيننا استطاعت أن تلفت انتباهي إليها وإلى حكايتها ..حكايتها التي قلبت حياتي رأساً على عقب دون أدنى مجهود ..

قالت لي بفخر أنها زوجة "طيار ".. وأنها (كما توقعتُ) ابنةالريف .. لها نصيب ضعيف ربما لا يذكر من التعليم !!! كانت تلك أول صدمة لي .. في البداية اعتبرتها كاذبة .. فكيف لطيار في مركز مرموق يتزوج من تلك البسيطة في الفكر المحدودة في الثقافة !!
ما القصة إذن ؟!!

" سأقص عليكي قصتي لتزيلي عنكِ علامات التعجب تلك ،زوجي بالفعل طيار ، سفره المستمر جعله يؤمن بأن زوجته لابد أن يكون لها طابع قروي ليس لديها طموحات سوى البيت وتربية الأولاد ، جعله يؤمن ان تكون زوجته جاهلة لتطع توجهاته دون نقاش أومجادلة أو حتى سؤال .. وعندما اختارني توجني امبراطورة على كل بنات القرية .. لا يمكن أن يصدق أحد أن أتزوج أنا الجاهلة الريفية رجلاً في مثل مركز ووظيفة وهيئة زوجي "

قلت إحماءً لوجهي :" ولكنكِ يا عزيزتي جميلة .. بالتأكيد قد شاهد فيكي هذا الجمال الذي لن يتكرر "
قالت : " بالنسبة إليه لم يكن الأمر متعلق بالجمال ، كان الأمر يخص مواصفات حارس أصم أبكم أعمى لكل أملاكه حتى يسافر وهو مطمئن البال ..
صدقيني يا أستاذة .. أنا لم أكن هكذا كما ترينني الآن .. عندما انتقلت  من قريتنا  إلى المدينة .. كنت اخشى أن اقع على الأرض .. كنت اتحاشى التعامل مع البشر .. كنت مدركة أنني لن أخرج من بيتي سوى في  حضور زوجي أو يوم خروجي إلى قبري ..
في بداية زواجي كنت أرتدي الحجاب ..
ملابسي فضفاضة حد الضحك
هامسة في كلامي ..  
باختصار كانت هيئتي توحي بأني خادمة قادمة من الأرياف لا زوجة طيار !
وكان زوجي بحكم عمله .. يغيب بالأيام ، فلا أتحرك من مكاني أبدا مهما كان الأمر .. وحتى طلبات البيت والسوق كان هو يحضر ما يكفيني فترة غيابه عن المنزل ..
لا أفتح لغريب حتى لو كان محصل الكهرباء او الغاز ..
كل شيء كان مؤجل حتى يعود صاحب البيت .. "

قلت : " مهلاً .. تقولين كنتِ ترتدين الحجاب ..؟؟ لماذا خلعتي حجابك يا امرأة ؟؟ "
قالت : " بعد فترة طويلة من الوقت ، وبعد أول طفل لنا ، أدركت بشيء من الوعي النسائي الذي احمله بين طيات فطرتي الأولى ، أن زوجي ليس لي وحدي ، شاهدت صوره مع المضيفات ، يا إلهي كم هن جميلات ، منحوتات الجسد ، صافيات البشرة ، ناصعات الإبتسامة ، لم أستطع يوم رأيت أن أزيحهن وأزيح طلتهن عن بالي ..
ومع ذلك ، لم يكن حافزاً لتطوي ذاتي أو هيئتي ، حتى ذهبت في زيارة إلى قريتي ، لم أكن أطلب زيارتها ، ولكن ذهبت من أجل فرح أقاربنا ، كنت متخيلة أنني سوف أكون فاكهة الليلة وكل الليالي ، فمن مثلي تزوج طياراً ، من مثلي يعيش في المدينة وفي أرقى أحياء القاهرة العظيمة ، من مثلي تأتيه الهدايا من كل بلدان العالم ؟!! "
شغلتني قصة تلك المرأة الصغيرة ، مما جعلني أأنس بها في  مكان آخر بعد  مركز التجميل لنشرب القهوة سوياً .

سألتها : " ماذا كان في القرية جعلك تنقلبين رأساً على عقب ؟ "
قالت : " رأيت نفسي عجوز وسط قريباتي ، لم أكن مثار إعجاب ، بل ربما كنت مثار شفقة في عيون النسوة وكل من حولي ، فأنا هي أنا بل ربما أسوأ ، سمنت كثيراً وتهدل جسدي من أول حمل ، ملابسي ليس بها أي تغيير ، مازالت فضافضة كما لو لم أترك القرية ، شعري أشعث من تحت حجابي ، لا شيء يوحي على هيئتي أنني زوجة لسيد قوم على الإطلاق ، كنت ألمح الهمسات في نظراتهن وسكناتهن، كانت ضحكاتهن تخنقني ..
ظلت النسوة تحكي وتتحاكى على غيرة (سي فلان ، وسي علان) ،فقالت إحداهن : ( تظل المرأة نكرة ، حتى يغار عليها زوجها )  ، وأنا أهز رأسي كبلهاء في مولد ، لا أدري كيف تكون الغيرة ، كيف أغير على  رجلي ، ويغير عليّ رجلي ، كل ما كان يقال في ذلك الوقت ، جعلني أشعر بأن هناك شيء ما يطبق على روحي وينشر طعم المرار بداخل جوفي ..
ومن ثم أدركت الحقيقة ، أدركت أنني أهدر أنوثتي ، وأنني جئت خادمة إلى المدينة بعقد زواج ، مجرد حارس لأملاك السيد ، وقتها شعرت بالعَجْز والعَجَز ,,
وأخذت القرار فوراً ، قررت أن أكون سيدة المكان لا خادمة فيه ، خلعت حجابي أنقصت من وزني ، خرجت من شرنقتي ، ارديت الجديد ، ذهبت إلى مراكز التجميل لأصنع من نفسي امرأة أخرى ,, "

سألتها : " وماذا كانت ردة فعله بعد كل هذه التغييرات ؟؟ "
قالت : " في البداية تعجب هيئتي الجديدة ، لكنه لم يغضب ، بل سعد بحالتي الجديدة ، والأكثر من ذلك أنه صار يساعدني في كل شيء ، ويهتم بي في كل شيء ، وأحضر لي خادمة تساعدني في المنزل وتربية الطفل ، صار يدللني كما لم يدللني من قبل ..
أتعلمين شيئاً !! طلبت منه كاميرا ، فأنا أصور نفسي في اليوم خمسين صورة بأشكال واوضاع مختلفة ، أرسلها إليه كلها وهو غائب ، حتى أكون حاضرة معه في كل وقت ، فلا أغيب ولا هو يغيب ..
بل وجعلته يغار عليّ ، كنت أتصنع أن هذا يغازلني ، وذاك رمى ورقة فيها رقم هاتفه ، ومجهول أرسل لي باقة ورد ، فكانت الدماء تتفجر في وجهه ، ولكني كنت أسعد بكل ذلك ، لأنني لم اعد نكرة بعد الآن "

قلت : " تخلعين حجابك وتنقصين من وزنك حد الهلاك ، وتبدلين من شكلك وتفتعلين أشخاصاً وهميين لمغازلتك ، كل ذلك من أجل أن يهتم بك رجل ؟؟ أين كرامتك وأنتِ تتخلين عن كل ما أُمرت به في دينك ؟ "
قالت : " إن ربي غفور رحيم ، ولكن الليالي التي تبقين فيها وحيدة ذليلة ، وزوجك مع أخريات لا ترحم ، حين ينهش فيكِ ألم الجهل ، ووجع العَجّز  ، ستعلمين أن مافعلته لإستعادة زوجي كان عين الصواب "

قلت : " ماذا عن كرامتك ؟؟ لا أصدق أنك تكشفين جسدك من أجل أن تستميلي زوجك ؟ لا أصدق !! "
قالت : " يا أستاذة ، مهلاً علي! ، هذا الكلام الكبير عن الكرامة وما إلى ذلك من مسميات لا تليق  بي أنا تلك المرأة الجاهلة ، ماذا ستفيدني كرامتي إن مت نكرة يا أستاذة ؟؟! "

قلت : " هناك طرق أخرى لتطوير ذاتك غير ما فعلتي في نفسك ؟ كان من الممكن أن تتعلمي ، كان من الممكن أن تكوني أكثر ثقافة وعلماً !! "
قالت : " أعوذ بالله .. عفواً يا أستاذة ، آلا تعلمين أن أعلى نسبة فشل بين الأزواج تكون فيها النساء متعلمات ومثقفات ، حين تتثقف المرأة ، تفقد فطرتها ، وتهيمن عليها روح أخرى ، روح حقوق المرأة وكرامتها وانسانيتها المعذبة ، وهذا الكلام الطنان الرنان أحمد الله على أني لا أفهمه ..
يا سيدتي .. حين نفهم كثيراً .. نتعب كثيراً  !! "

********************
عدت إلى المنزل ، ورأسي يدور به العديد من الأسئلة ، كلها أسئلة خاصة بي وحدي ، أغلقت باب غرفتي علي ، ونظرت إلى المرآة ، يا إلهي من هذه التي في المرأة ؟؟! ، لست أبدو كإمرأة ربما أقترب من الرجال في هيئتهم ، وقاري كأستاذة جعلني أتلبس هيئة الذكور ، ما تلك النظارات التي أضعها طوال الوقت ؟! ما هذا الحجاب الغير المرتب ؟! ما هذا الوزن الزائد ؟! ما تلك الألوان الغامقة التي ارتديها ولا أكف عن تغييرها وكأنني طوال الوقت في عزاء لا ينتهي ؟! ما هذه اليد الغريبة ؟! خضبتها الشمس بسمارٍ يوحي بالقهر ، وطبعت عليها الأيام والليالي خشونة توحي بالهَم !!

بصراحة .. كيف يطيقني زوجي هكذا ، لابد انه يقضي وقته مع أخريات جميلات ، لابد أنه فقد الأمل في ترميمي من جديد .. هل يغار زوجي علي ؟؟ بالتأكيد لا ،، وهل يغار الرجل على رجل مثله !!
تلك القروية البسيطة استطاعت أن تختزل الأنوثة في بساطتها ، بحثت عن الأنثى بداخلها عن طريق فطرتها التي خلقها الله فيها ، دون الحاجة إلى عقد المثقفات وحجج المفكرات ، وتلاكيك القارئات .. فكل هذا عبث ..
خلعت عني الحجاب ، واردتيت الألوان ، وتطيبت ، ونثرت شعري الذي دائما ما كنت أعقصه للوراء ككارتون (السيدة ملعقة)* في البيت ، وعقدت العزم أن أزيل تلك اللمحة الذكورية التي تعتلي وجهي ، فأنا أيضاً لا أرغب أن أكون نكرة ..

وأخيراً ، تذكرت أني امرأة !!


*************

* السيدة ملعقة   :)



هناك 8 تعليقات:

  1. من أجمل ما قرأت مؤخرا
    :)
    خالص احترامي وعميق تقديري

    ردحذف
    الردود
    1. يا صديقي المميز
      مرورك دائماً إضافة وفخر لكل حرف اسطره
      حقاً أشعر بالفخر لزيارتك تلك .. واشعر بالسعادة لأن القصة نالت رضاك وحازت على إعجابك
      دمت بكل ود يا عزيزي

      حذف
  2. بجد تسلم ايدك قصة جميلة جدا جدا اجمل عبرة ونصيحة بجد تسلم ايدك

    ردحذف
    الردود
    1. مبسوطة إن القصة عجبتك ..
      يسلم لي زيارتك الكريمة :)

      حذف
  3. ماشاء الله
    الاسلوب جميل
    والقصة مكتوبة بطريقة محببه سهله سلسة
    مبسوطة اني جيت هنا
    :)
    مابوظش العلاقة بين الستات والرجالة الا حقوق المأة دي
    الستات استرجلوا والرجالة عندتهم
    لا سابوا الست ست ولا الرااااااجل رااااااجل

    ردحذف
    الردود
    1. مرحبا شمس النهار
      *********************
      أنا كمان مبسوطة بوجودك هنا
      ومبسوطة ان القصة عجبتك .. وقدرتي تلخصي رسالتها في جملة واحدة ( لا سابوا الست ست ولا الراجل راجل )
      الله عليكي بجد يا شمس
      مرورك أسعدني وزاد من مدونتي شرفاً وتألقاً
      فياليت لا تغيب عنا شمس النهار
      أرق التحايا غاليتي :)

      حذف
  4. ما اجمل قصصك وما اجمل اطلالتك ، اعشق توتا

    ردحذف
  5. لكنهاااا خلعت الحجاب..

    ردحذف